تشكل التجارب مساحة كبيرة من حياة الفرد، فيجد الانسان نفسه في مواجهة مواقف معينة تدفعه في الكثير من الأحيان إن لم يكن جميعها، إلى اتخاذ قرارات موائمة لمصالحه واهتماماته طموحاته و استقراره وأمانه.
وعلى هذا النحو، يكتسب اختيار الفرد بعداً نفسياً مهماً، متجاوزاً بذلك حدود اتخاذ القرار في سبيل الوصول إلى الحلول التي تعزّز التوازن النفسي، لذلك، من الطبيعي البديهي أن يتأثر بالدينامية السيكولوجية للفرد التي تهزّها عواطفه وتخضّها اندفاعاته.
وبتعبير أكثر وضوحاً، تتبدى أهمية الانفعالات، عدا عن الدور الرئيسي الذي تؤديه في عملية تفريغ الشحنات العاطفية القوية كالغضب أو الخوف، أو حتى الفرح، في كونها تحدّد المواقف بعد أن تُضعف، إلى حدّ كبير، طبيعتها العقلانية. ويعود السبب في ذلك إلى أنها تسلخ عن الفرد صفة “الواعي” و”المدرِك”، وتحوله إلى “مستَجيب” بدلاً من “فاعل”.
الخيارات السياسية
ومن هذا المنطلق، لا تتعلق اندفاعات الفرد بحياته النفسية فحسب، بل تتخطاها لتلقي بثقلها على نواحيها كافة، ومنها بالطبع السياسية. إذ نراها تؤثر على ما يتخذه من ردود أفعال واختيارات، بحيث يطلق عبرها مواقفه التي يظهر جانب مهم منها من خلال ممارسته لحق الانتخاب الذي يشكل رافعة أساسية في نهوض الديمقراطية.
من ناحية أخرى، تتجلى ازدواجية المجال السياسي من خلال ما يحويه من “فصام” بين ظاهره العقلاني وجوهره العاطفي، وبالأخص في الدول النامية، ومنها بالطبع لبنان.
إذ تبين لنا ملاحظة الواقع اللبناني أن الحياة السياسية تتحرك بفضل الحسابات التي تبدو منطقية ظاهرياً، لكنها في الواقع “مشغولة” في سبيل تعزيز هوية النظام الطائفي، وأيضاً الخطابات المثيرة للحماس و الوافرة بالحجج والبراهين المفتقرة إلى الأمانة، وأخيراً المؤسسات المتبنّية في الغالب لكل ما يتماشى مع المصالح الخاصة أكثر منها الوطنية.
لا تتعلق اندفاعات الفرد بحياته النفسية فحسب، بل تتخطاها لتلقي بثقلها على نواحيها كافة، ومنها بالطبع السياسية. إذ نراها تؤثر على ما يتخذه من ردود أفعال واختيارات
مما لا شك فيه، تعكس هذه الحالة مدى التخلف الذي يكابده مجتمعنا على المستويات كافة، اذ يشهد الواقع اللبناني استحقاقاً ديمقراطياً يتجلّى في الانتخابات البلدية التي تعكس بدورها حالة الديمقراطية المحليّة المتآكلة بفضل نظام طائفي كرّس الموروثات خدمةً لمصالحه التي يدعي بأنها “وطنية” بامتياز!
ولسنا هنا في صدد تناول الاستحقاق المذكور من ناحية قانونية باعتباره يتطلب دراية أكثر عمقاً في القوانين، إلا أن مقاربته من منظور سيكولوجي، و إن كان بشكل سريع و موجَز، يكشف عن مدى الرابط الوثيق بين الحياة الانفعالية والاختيار ، قد يسهم في فهم أحد المكانزمات الرئيسية التي تؤثر سلباً على الديمقراطية وتشوّه ممارستها.
لقد أظهرت لنا ملاحظة الحياة السياسية أن الناخب اللبناني لا يقترع ، على العموم، بناءً على برامج تصبّ في خدمة المصالح العامة والوطنية بقدر ما تدفعه عواطفه التي تفرضها درجة القرابة أو التبعية لزعيم أو المناصرة العمياء لحزب سياسي، إلى اختيار هذا المرشح أو ذاك. لقد قام النظام الطائفي بدوره الفاعل في تعزيز تنشئة غريبة عن الوطنية ساعياً إلى تجذير هويته عبر المحاصصة الطائفية على كل المستويات، ومنها بالطبع التربوي، مما ترك أثراً سيئاً على التفكير العقلاني و النقدي!…
إذاً، لا تتبدى الانفعالات محرّكاً أساسياً لعملية الاقتراع فقط، وإنما تؤثر بفاعلية على نتيجتها. بمعنى آخر، يتم حكم الناخب اللبناني على المرشح من خلال ما يحمله من عواطف تجاهه، إيجابية كانت ام سلبية.
كما هو معلوم، لا يهم السياسة التركيز على الفرد بقدر ما يشكل المجموع عاملاً جاذباً لها، إذ ترى في المواقف الفردية التي تستند في الغالب على العقلانية عاملاً معيقاً لبسط سيطرتها، لذلك تعمل جاهدة بفضل نظامها على تدجينها من خلال إثارة النعرات الطائفية أو العائلية، كما يحصل في المجتمع اللبناني على سبيل المثال، بغية صبّها في قالب جمعي، مما يسهل عملية القبض على النسيج الاجتماعي بكليته من خلال ما تجذّره من انفعالات. وفي هذه الحال، تأتي العدوى الانفعالية لتخلق الموقف الموحّد المستلَب الذي ما يلبث أن يتمدد “كالوباء” .
هستيريا مواقع التواصل
بدوره يشكل ما نراه على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي من حماس جماعي تجاه اللوائح الانتخابية البلدية دليلاً على هذا التمدد “السيكولوجي”، إذ تتحول هذ الصفحات بحد ذاتها إلى “مساحات انفعالية”، حيث يطلق الأفراد المواقف بأسلوب حماسي يغلب عليه الطابع الاتهامي والتخويني، وهو يبدو عند الكثيرين هستيرياً .
ومن هذا المنطلق، تؤدي هذه الاندفاعات أوالية رئيسية لتعزيز التماهي الجماعي مع زعيم أو قضية ما مجذّرةً بذلك الغرائزية التي تجرّد السلوكيات من منحاها الواعي، فيتبنّى الافراد المواقف السياسية من خلال ردود أفعال عفوية، و يضعف بالتالي التمايز عن الجماعة.
يتعمّد النظام السياسي الطائفي في لبنان اللعب على وتر الانفعالات بعد تحفيزها باسم الحفاظ على الطائفة، فيصادر بذلك ليس فقط تركيز الفرد و إنما ذاكرته، ويعمل على إعادة صناعتها من مكونات عديدة كالمقدس أو الاضطهاد أو البطولات سواء من خلال الخطابات أو البرامج السياسية الخاصة بالطوائف أو ما تقوم به من تعبئة، بما يتناسب مع الحفاظ على هويته.
فعندما يُثار الفرد غرائزياً، يستعيد مخزون الذاكرة تلك من خلال معتقدات ترفض النقد، وتسبب هذه الوضعية “الجمود” النفسي، وتقوي الانغلاق على صور تؤسس لهوية جماعية من خلال تجانس المواقف وتشابه الأفكار، مما يؤدي إلى تراجع تدريجي للفكر في المستقبل والفردية لصالح الانتماء.
يتعمّد النظام السياسي الطائفي في لبنان اللعب على وتر الانفعالات بعد تحفيزها باسم الحفاظ على الطائفة، فيصادر بذلك ليس فقط تركيز الفرد و إنما ذاكرته،
في كل الأحوال، يجب أن تشكّل الانتخابات البلدية فرصة ليقظة الوعي، التي تؤسس لديمقراطية فاعلة تنسحب على نواحي الحياة كافة، كما لا ينبغي أن تقف عند تاريخ الاقتراع فحسب، بل تمتد إلى المساءلة و المحاسبة عن اي إهمال يحدث في المستقبل.
فلتكن الانتخابات البلدية خطوة أولى من أجل تقويض نظام طائفي تمادى في إنهاك وطننا والسير نحو دولة مدنية قوية بدستورها ومؤسساتها .
اقرا ايضا: صراع تركي اسرائيلي: «من يكسب سوريا سيتحكم بتوجهات المنطقة على مدى 100 عام»!!

