يصعب قبول تنصل حزب الله من مسؤولية إطلاق هذه الصواريخ، لأن سيطرته الكاملة على مَنطِقَة الإطلاق يجعله المسؤول المباشر عن أي نشاط عسكري فيها، ولأن الإطلاق جاء في سياق سياسي رداً على تصريح رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بنهاية لا عودة فيها لثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، وعزم الدولة على حصر السلاح بيد الدولة، وتفردها بقراري الحرب والسلم. هو إعلان لا يكتف بسحب المشروعية عن سلاح حزب الله، بل يترجم التغيرات الجذرية التي حصلت في موازين القوى المحلية والإقليمية، بإنشاء قواعد لعبة سياسية داخلية لم يعد سلاح الحزب فيها أحد عناصرها أو مكوناتها. إنه إعلان عن حاضر جديد للبنان لا مكان فيه لسلاح حزب الله، بل حتى لا مكان فيه لحزب الله فيما لو أصر على الاستمرار في نهجه وأدائه السابقين.
نرجسية الحزب
أن يُصيَّرُ سلاح حزب الله ماضياً، يعني دعوة ضمنية لحزب الله تفكيك بنيته العسكرية بالكامل، وتسليم طوعي لسلاحه، وتسريح عناصر جيشه الضخم وإحالة أكثر أجهزته اللوجستية إلى التقاعد. بل تتطلب هذه الدعوة في موجباتها العميقة تحولاً في مبانيه التأسيسية وتخلياً عن منطلقاته العقدية وخروجاً من تحالفاته وولاءاته الخارجية التي تنتقص من سيادة لبنان وتشكك بنهائية كيانه.
هي دعوة تستجيب للمتغيرات الموضوعية لكنها سابقة لأوانها بالنسبة لحزب الله، الذي يبدو من خلال أداءه وخطابه، في حالة ارتباك وعسر شديد، وليس جاهزاً لهذا التحول، بحكم أن علاقته العضوية بإيران، تحول دون أن يفكر بنحو مستقل أو أن يقرر بدوافع ومنطلقات لبنانية محضة، وبحكم أن الحزب، الذي وقع ضحية نرجسية متضخمة تحول دون رؤية الأمور على حقيقتها، لم يستوعب إلى الآن هول الإنتكاسة التي مني بها، سواء أكان في تدمير إسرائيل الكاسح لبنيته العسكرية، أم في سقوط نظام الاسد، الذي يعني عملياً حصار خانق له وعزلة قاتلة ستمنعه من استعادة عناصر قوته ونفوذه السابقين.
أن يُصيَّرُ سلاح حزب الله ماضياً، يعني دعوة ضمنية لحزب الله تفكيك بنيته العسكرية بالكامل، وتسليم طوعي لسلاحه، وتسريح عناصر جيشه الضخم وإحالة أكثر أجهزته اللوجستية إلى التقاعد.
قُصِد من إطلاق الصواريخ رسالتها السياسية إلى الداخل اللبناني فقط. ولهذا كان إطلاقها بطريقة بدائية علامة على عدم الرغبة في التصعيد مع إسرائيل أو إنزال الأذى بمستوطنيها. بل إن تنصل الحزب من المسؤولية، رسالة إلى إسرائيل بأنها غير مقصودة من هذا الإطلاق، وأن المراد منها مضمونها السياسي اللبناني لا أثرها المادي أو العسكري. ورغم ذلك، فإن ردود إسرائيل الموجعة جداً لحزب الله، كانت للتأكيد على عدم التسامح مع أي نشاط عسكري في الجنوب اللبناني، وأن تبعات اختراق سماء حدودها الشمالية ستكون في غاية القسوة.
السلاح عبء على الجنوبيين
ما أراد حزب الله إرساله بإطلاق هذه الصواريخ، ارتد إلى عكسه، فالرد المهين من إسرائيل ضد الحزب من دون أي رد منه ولو من باب حفظ ماء الوجه، يدل على أن الحزب فقد القدرة على حماية عناصره ومنشآته، فضلا عن الكفاءة في مارسة أي فعل مقاوم، وإذا كان المقصود استمرار ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لتحصين لبنان، فإن حدث الإطلاق وتبعاته وفرا ذريعة وحجة إضافية لإسرائيل بتوسيع عدوانها على لبنان، وإذا كان المقصود هو التأكيد على بقاء سلاح الحزب مهما كانت المتغيرات والتحولات، فإن ما حدث أكد أن هذا السلاح بات عبئاً ثقيلاً على أمن واستقرار الجنوبيين ومصدراً وسبباً لنكبتهم، وإذا كان المقصود إعلام الدولة اللبنانية بأن الحزب لن يسلم سلاحه وأنه ما يزال يملك كامل الحرية في استعماله كيفما يريد، فإن ما حدث يؤكد عبثية هذا السلاح وعدم تورعه عن جر البلاد إلى أحداث فوضوية، بعد أن بات سلاحاً بلا قضية وتحول إلى سلاح لأجل السلاح فقط.
اذا كان المقصود إعلام الدولة اللبنانية بأن الحزب لن يسلم سلاحه وأنه ما يزال يملك كامل الحرية في استعماله كيفما يريد، فإن ما حدث يؤكد عبثية هذا السلاح
علمتنا الانتكاسات المتتابعة في العقود السابقة، أن مبدأ المقاومة، مفهوم مضلل ورديف للفوضى، حين ينظر إليه أصلاً جوهريا وثابتاً يقصد لذاته. كونه في كل مرة يطرح نفسه بديلاً عن الدولة أو قوة موازية لها. الأمر الذي ترك هامشاً واسعاً للزبائنية والفساد وتفلت السلاح وتفكيك الدولة وتوهين الهوية الوطنية وزعزعة الاستقرار الداخلي واستساغة سلوك القهر والغلبة في الداخل بل وحتى العمالة لدولة أجنبية بذريعة المواجهة مع العدو. تبين أن تسليم حزب الله الكامل وغير المشروط للدولة، بات ضرورة غير اختيارية له، بعد أن أثبتت الأحداث الفشل المروع لنموذجه وكارثية رهاناته وانفصام ادعاءاته عن الواقع، فلا عدواً هزمنا، وكدنا بسببها أن نخسر كل شيء.
اقرأ أيضا: هل يمكن للاصلاح ان يستعيد الدولة مع وجود السلاح؟

