يتبدى من الوضع الراهن في سوريا الجديدة أن التدخلات الاسرائيلية هناك، إنما تأتي وفق مقولة “العدو الذي تعرفه خير من العدو الذي لا تعرفه” والنظام الذي عرفته اسرائيل هو نظام الاسد، إنه العدو الذي خبرته جيداً وتعايشت معه لعقود من الزمن، لم يحدث خلالها أن خرجت الامور عن السيطرة بينهما الا قليلاً، وذلك مذ أن انتظمَ الطرفان الاسرائيلي والسوري في اتفاقية “الخطوط الحمر” التي رعاها هنري كسينجر بعد حرب ١٩٧٣، لتكريس التوازن المقبول اميركياً حينها، بغية منع نشوب صدام عسكري قد يشعل منطقة الشرق الاوسط ويفيد منه الاتحاد السوفياتي في حينه، ثم تحديد الحيّز الجغرافي المسموح به لسوريا كي تمارس نفوذها داخل لبنان وتكريس سيطرتها عليه، شريطة أن لا تتجاوز قواتها العسكرية خط نهر الزهراني، مقابل الحصول على موافقة الرئيس حافظ الاسد على حرية الحركة لسلاح الجو الاسرائيلي في سماء لبنان.
وكان سقوط النظام الاسدي مفاجئاً ومربكاً للعقل الامني الاسرائيلي، خصوصا أنه قد جاء لصالح نظام جديد اسلامي الطابع، يصعب حصر التوقعات لناحية سلوكه السياسي ــ الايديولوجي، بسبب ضبابية المشهد المستجد داخل سوريا، فضلاً عن الدعم التركي الواضح في ظل انفتاح عربي لافت حيال الرئيس احمد الشرع، وقد أبدت اسرائيل سريعاً تخوّفها من هذا التحوّل الجيوسياسي الخطير، حيث نقلت وكالة رويترز، عن بعض المصادر العليمة قولها إن إسرائيل تعتبر الحكومة الجديدة في سوريا “تهديداً خطيراً”، وإن دمشق “قد تهاجمها” ذات يوم، مشيرة إلى أنها لا تثق في جماعة “هيئة تحرير الشام” التي قادت هجوماً أطاح بالأسد، وقد اكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لن تتهاون مع تلك الهيئة، وأي قوى عسكرية مرتبطة بها في جنوب سوريا، مطالباً بتكريس منطقة منزوعة السلاح، كما وجاء تصريح وزير الخارجية الاسرائيلي جدعون ساعر في السياق نفسه عندما قال، أن وجود ما أسماها “جماعات إسلامية” على الحدود سيكون أمراً بالغ الخطورة لإسرائيل ،كما أعلن أن تل أبيب لن تسمح بهجوم 7 أكتوبر آخر، وأن مصلحة إسرائيل تقتضي أن تكون الحدود مع سوريا هادئة.
كان سقوط النظام الاسدي مفاجئاً ومربكاً للعقل الامني الاسرائيلي، خصوصا أنه قد جاء لصالح نظام جديد اسلامي الطابع
هنا يطرح السؤال لماذا تبدي اسرائيل كلّ هذا التخوّف من انتقال السلطة في سوريا، والى أي مدى يمكن أن تتقبل هذه المتغيرات السورية؟
في الواقع يعود التخوّف الاسرائيلي من سقوط النظام السابق وانتقال الحكم الى قوات المعارضة بقيادة هيئة “تحرير الشام” وفصائل متحالفة معها الى سببين:
الاول متعلق بالجغرافية السورية نفسها، اما السبب الثاني فيعود الى طبيعة الحكم الجديد الذي يمثل الاكثرية داخل سوريا وهذا اهم ما يفطن اليه الفكر الاستراتيجي الاسرائيلي، وعدم اليقين الاسرائيلي هنا إنما يتأتى مما كانت ترتاح اليه الحكومات الاسرائيلية وفقدته هو حكم الاقلية لسوريا والتي تحاول تعميمه في المنطقة، وهنا الفرق خطير لا بل استراتيجي بين حكم الاكثرية وحكم الاقلية، أذ يكفي ان نقرأ تاريخ سوريا بتأنٍ لنفهم الحاضر جيداً المرتبط بالمعنى لحقيقي لتطابق الجغرافية مع حكم الاكثرية، وما يمكن أن يحدثه ذلك على مستوى باقي المكونات السورية بالنسبة لعملية بناء المؤسسات وتكوين السلطة. هنا لا بد من طرح السؤال الآتي: هل ستنجح الادارة السورية الجيدة في ادارة التنوع السوري، وانتاج صيغة علاقات ديمقراطية تحفظ حقوق المجتمع وتكرّس مبدأ المواطنة بلا امتيازات أو تفضيلات؟
ولطالما شكّلت سوريا بجغرافيتها السياسية مركز الثقل في صراع القوى المؤثرة والمحيطة على مر العصور. فقد شهدت بلاد الشام صراع المصريين مع حكام بلاد ما بين النهرين، ثم الفرس مع اليونانيين، البيزنيطون والساسانيون ثم العرب فالمغول، المماليك والاتراك، وذلك انها تمثل عقدة المواصلات بين الشرق والغرب عبر التاريخ.
لطالما شكّلت سوريا بجغرافيتها السياسية مركز الثقل في صراع القوى المؤثرة والمحيطة على مر العصور
وبما أن الجغرافية تشكل ثابتاً من ثوابت التحليل الاستراتيجي، يصبح الجيوبولتيك السوري بعد سقوط النظام السوري احد ابرز تحديات دول الجوار وفي مقدمهم اسرائيل التي تبدي عناداً في تقبل المستجدات داخل سوريا الجديدة، حيث لجأت الى التدخل المباشر عبر الادعاء بحماية المكوّن الدرزي العربي الذي لم يطلب حمايتها في الاصل. وقد صدر عن مكتب نتنياهو يومها، أن إسرائيل ملتزمة بأمن الدروز، وسترد على أي محاولة للمساس بهم، وستتخذ كل الخطوات اللازمة للحفاظ على أمنهم، على حد قوله.
فكما هو معلوم أن لدى سوريا عمقاً استراتيجياً مؤثراً، وهي جغرافية معقدة وممتدة تقع غرب القارة الآسيوية بحدود تربطها بالعراق شرقاً، وبتركيا شمالاً، وجنوباً تحدها الأردن وفلسطين، وغرباً لبنان والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ويعد موقعها إستراتيجياً لوقوعها عند ملتقى القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا.
جميع التحولات الجيوسياسية في المنطقة انما تندرج في سياق واحد: إننا جميعاً ضحية للموقع الجغرافي الهام للمنطقة برمتها
انطلاقاً من هذه الوقائع الثابتة شكّل سقوط النظام الاسدي في سوريا لحظة فارقة في تاريخ الشرق الاوسط، لا تقتصر تداعياتها على الداخل السوري، بل تمتد تأثيراتها الى المديات الاقليمية الابعد، حيث اعادت رسم خارطة النفوذ في المنطقة، ليتقدم الدور التركي ثم السعودي العربي، على حساب الدور والتأثير الايراني، وسط توقعات بأعادة بناء نسق دولي جديد تبرز من خلاله الاستراتيجية الاميركية بقيادة ادارة الترامب، والتي تقوم على قواعد جديدة تطال تداعياتها اصدقاء اميركا، كما اعدائها، من خلال انتهاج سياسة خارجية تعبر حصراً عن المصالح الاميركية وتكرّس شعار اميركا اولا”.
قصارى القول إن جميع التحولات الجيوسياسية في المنطقة انما تندرج في سياق واحد: إننا جميعاً ضحية للموقع الجغرافي الهام للمنطقة برمتها، وسنبقى كذلك.

