عن سلام السائر في حقل ألغام!

نواف سلام

قد يكون شهرٌ طويلا للنجاح في تشكيل حكومة عند غير أمم، أما في لبنان، فهو سريع سرعة قياسية مقارنة بالتجارب السابقة.

جوزاف عون وقع مرسومَي قبول استقالة حكومة نجيب ميقاتي وتشكيل حكومة نواف سلام، فسارع لمباركتها مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان في بيان قال فيه إن “تشكيل الحكومة اليوم يمهد لفصل جديد ومشرق للبنان”.

نعم، سلام شكّلها، وتمنى لها أن تكون “حكومة الإصلاح والإنقاذ”، حصل على “حصة الأسد” فيها، فسحب ورقة التعطيل والتعلّل بالميثاقية، معظمها غير حزبي، والحزبي لا مجال أمامه لأي مناورات ولو بالتكتلات، ودفع بعض أشد المعطلين سابقًا إلى المعارضة، ومثّل السنة متوقفًا على خاطر سماحة المفتي، وإن مع بعض الامتعاض من فاعليات، واستدرك هذا قائلًا: “أعلم أن أي تشكيلة حكومية يصعب أن ترضي الجميع لكنها ستعمل بتجانس وبتضامن وزاري ومن دون مناكفات أو تعطيل بأي شكل من الأشكال”.

سلام شكّل الحكومة وتمنى لها أن تكون “حكومة الإصلاح والإنقاذ”، حصل على “حصة الأسد” فيها، فسحب ورقة التعطيل والتعلّل بالميثاقية

تحديات كبيرة

التحديات أمام سلام كبيرة، فأمامه في سنة وثلاثة أشهر مهمات عظيمة الشأن، لكنها متيسّرة لأهل الهمّة، أصعبها التعامل مع جارَين: جار السوء الجنوبي بدفْعه إلى الانسحاب راغمًا في 18 شباط الجاري، وخصوصًا من مرتفعات لبنانية، ارتفعت أصوات من جيشه المحتل، بأهمية البقاء المستمر فيها، ولم يعضدها تأييد رسمي من سلطته، والأخف وطأة الجار الشقيق الشمالي، الذي دارت اشتباكات عنيفة عند الحدود الشرقية معه مساء الجمعة، بين مسلحين لبنانيين من العشائر البقاعية، وآخرين تابعين ل”هيئة تحرير الشام” السورية، حلقت خلالها طائرات استطلاع سورية فوق مناطق العشائر، لاستكشاف مواقع لمهربي ممنوعات إلى الأراضي السورية (وفق السلطات السورية الجديدة) فسارع الجيش اللبناني إلى تنفيذ مهمته الأصلية دون تردد، وهي التدخل للدفاع عن حدود الوطن.

 في وقت كان يواكب أهالي بلدة رب ثلاثين الجنوبية ليُدخلهم بلدتهم، فأصدرت مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني بيانًا جاء فيه: “على خلفية الاشتباكات الأخيرة التي تعرضت خلالها عدة مناطق لبنانية للقصف، وبناءً على توجيهات رئيس الجمهورية صدرت الأوامر للوحدات العسكرية بالرد على مصادر النيران التي تُطلَق من الأراضي السورية، فباشرت الرد بالأسلحة المناسبة”، وذلك إثر مطالبة بلديات قضاء الهرمل في بيان “الدولة اللبنانية بقواها العسكرية والأمنية بالتدخل الفوري ومن دون تردد لحماية المواطنين، ووضع حد للأعمال العدوانية على أبناء المنطقة”. وما لبثت الاشتباكات أن هدأت بحذر بعد اتصال هو الأول بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ونظيره السوري أحمد الشرع، جرى خلاله الاتفاق على ضرورة التنسيق الأمني المشترك لضبط الأوضاع الميدانية، ومنع الانفلات الأمني واستهداف المدنيين، ونقلت جريدة “نداء الوطن” أنّ “الاتصال كان إيجابياً وسط تأكيدات من الطرفين بأنّ الجهات الرسمية فقط هي المولجة معالجة الأمر وضبط الحدود”، ما سمح بعمليات تسلّم وتسليم أسرى الطرفين عند الحدود بحضور الجيش اللبناني وإشراف الصليب الأحمر، بعد أن صدَعَ مسلحو العشائر لطلبات الجيش بالابتعاد عن الحدود. ويُذكر في هذا المضمار بعضًا مما كان صرح به وزير الداخلية الجديد أحمد الحجار لموقع “لبنان24” من أنّ “هناك تحديات كبيرة يواجهها لبنان منها الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب والمستجدات الأمنية على الحدود الشرقية والشمالية”.

وأمام سلام في أول جلسة لمجلس الوزراء مهمات استعصت على أسلافه، منها إصدار البيان الوزاري لحكومته المعتمد على خطاب قسم رئيس الجمهورية والخالي من المعادلة الخشبية، التي سممت اجواء الحكومات السابقة، بل وأجواء البلاد قاطبة، والذي صرحت وزيرة البيئة في الحكومة الجديدة تمارا الزين (عُينت بالاتفاق مع حركة “أمل”) لقناة “العربية الحدث” بأن التفاهم قد تم على نسبة كبيرة منه، وبالتالي انتزاع أي فكرة من رؤوس قيادات “حزب الله” بإمكان استمرار تحكمهم السابق، وإيصالهم إلى قناعة بأن لجوءهم إلى تحريك حيثيتهم الشعبية، لا يجب أن يكون إلا سلميًّا، ولا يشكل أي تهديد للمواطنين والسلم العام، كالتحركين اللذين نفذهما على طريق المطار، واللذين فشلا في إيصال رسالة منهما، بأنه لا يزال قادرا على التحكم وفرض الشروط، فهو لم يعد كذلك حتى في الجنوب، مع أكثر من دليل على ان الدولة هي وحدها من يسيطر على الارض.

وسيكون على سلام وضْع الأسس المرحلية واللوجستية المتقاربة زمنيًّا (نظرًا لقصر عمر الحكومة) لورشة عمل متزاحمة لـ”إعادة الثقة بين المواطنين والدولة” كما قال سلام لدى إعلان حكومته، وتتضمن إصدار أوامر عمليانية داخليًّا لتطبيق القرار 1701، والبدء بسحب سلاح حزب الله والسلاح الفلسطيني، وبدء سلسلة من الاتصالات الدولية لتأمين انسحاب اسرائيل من الاراضي اللبنانية المحتلة، والمضي بكل قوة وعزم في ملف الإصلاح المالي والاقتصادي، وخصوصًا قضية أموال المودعين، الذين بعث فيهم الأملَ، أخيرًا تعميمان أصدرهما مصرف لبنان أحدهما، للمصارف والثاني للمؤسسات المالية، وينصان على منع توزيع أنصبة أرباح السنوات ٢٠١٩ حتى اليوم، ما يعزِّز وضع المودع، ويترجم ما قاله منصوري سابقًا من عزمه على تحويل أرباح المصارف للمودعين.

لجوء حزب الله إلى تحريك حيثيته الشعبية، لا يجب أن يكون إلا سلميًّا، ولا يشكل أي تهديد للمواطنين والسلم العام، كالتحركين اللذين نفذهما على طريق المطار

 أمامه كذلك ما يتعلق بالملف المالي من الإصلاحات الإداري، وتقتضي بادئ ذي بدء التخلصَ من جيش حقيقي من الموظفين غير العاملين الذين يشكلون عبئًا ثقيلًا على خزينة الدولة، وفتح ملف محاسبة الفاسدين في الدولة على مصراعيه، وفي هذا يكون الامتحان الأول لوزير المالية الذي أثار تعيينه (أو فرْضُه) الكثير من الجدل والأخذ والرد، ولاستجابته في هذا الملف، والأهم من هذا كله تأمين الأموال اللازمة داخليًّا وخارجيًّا، لإعادة إعمار المنازل والمنشآت التي دمرتها الحرب الإسرائيلية على لبنان، بعد أن تكفلت إيران عبر سفيرها مجتبى اماني بالمدراس والحسينيات والمساجد.

صندوق النقد الدولي

ومع انطلاق الحكومة هل سيفعّل سلام قضية الأموال التي وُعد بها لبنان من صندوق النقد الدولي،  في حال قامت بالإصلاحات المطلوبة، والتي تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار، بعد أن كشف الصندوق في تصريحات للمتحدثة باسمه جولي كوزاك في مؤتمر صحافي، عن استعداده للتعاون مع السلطات الجديدة في حال تم الحفاظ على وقف إطلاق النار واستمر الاستقرار السياسي، واعتُمد برنامج اقتصادي جديد، وهو ما قد لا يكون متوافرًا بوجود النيات الإسرائيلية المبيّتة، التي تُضمر شرًّا بلبنان، والتحديات الاقتصادية التي خلقتها الحرب، وبخاصة أن التعويل على الدعم المالي الخليجي ليس مضمونًا، طالما لم يتبين الخيط الأبيض من الأسود في المجالات السياسية.

وأخيرًا وإن كان المقدَّم في الأهمية، دعم القضاء المستقل، لإنهاء الإفلات من العقاب الذي ميّز عقودًا من تاريخ لبنان في العقود الأخيرة، عبر ضغط السلطات الجديدة على مجلس النواب لإقرار “قانون استقلالية القضاء”، المتوافق مع المعايير الدولية، وتعديل مواد قانونَيْ أصول المحاكمات الجزائية والمدنية اللبنانيَّيْن اللذين استخدمهما أخصام البيطار لكف يده، مع تأكيد وزير العدل في الحكومة الجديدة عادل نصار لقناة “الحدث”، أن “ضمن أولويات الحكومة إيصال التحقيقات بشأن انفجار المرفأ إلى نتيجة حاسمة قريبًا”، وأنه سيدعم القاضي طارق البيطار حتى الوصول إلى “القرار الظني”، ما أطلق يد البيطار لاستئناف عمله في ملف جريمة العصر، انفجار مرفأ بيروت، بكل قوة في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، بعد ثلاث سنين ونيف من آخر استجواب أجراه البيطار في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021، بسبب 42 دعوى “كفِّ يد” قدَّمها محامون وقضاة تابعون لمحور الممانعة، وإطلاق مدّعي عام التمييز السابق القاضي غسان عويدات، جميع الموقوفين في القضية غضبةً لنفسه بعد أن استدعاه البيطار للتحقيق، فاستجوب البيطار المدعى عليهما رئيس قسم الصيانة ومسؤول أمن العنبر 12 في المرفأ ربيع سرور، وسليم شبلي من شركة شبلي التي تولت تلحيم العنبر، من دون أي قرار بحقهما إلى حين انتهاء التحقيقات، وأرجأ استجواب مروان الكعكة لحين البتّ بالدفوع الشكلية التي قدّمها، والموظف في المرفأ أحمد قصابية لتقدمه بمعذرة كونه في المستشفى وموسى هزيمة الموظف السابق في الجمارك لكونه خارج لبنان، وقام بتبليغ مدير شركة “سفارو” التي اشترت نيترات الأمونيوم فلاديمير فيرغونوف موعد الجلسة التالية لصقًا لأنه لم يحضر. وسيكون اليوم الثلاثاء، بعد فرصة مخصصًا لاستجواب 7 ضباط، بينهم أربعة برتب عالية في الجيش وجهازي الأمن العام والجمارك، حاليين وسابقين. وبهذه الروحية يبدو أن البيطار عازم – كما فعل مع عويدات سابقًا – إحضار جميع المشتبه فيهم امام القضاء أيًّا تكن رتبهم، ولن يكتفي بالموظفين ذوي المراتب الدنيا، على أن يعقد جلسات تحقيق خلال آذار ونيسان مع مدعى عليهم بينهم وزراء سابقون ونواب وقادة أمنيون وعسكريون وقضاة وموظفون في المرفأ وإداريون، وسيلي ذلك اختتام التحقيق وإحالته إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس، تمهيدًا لإصدار القرار الاتهامي الظني.

أما تطبيق القرار 1701، فسينشط ثنائي السلطة التنفيذية في الايام التالية لتعزيز الثقة المتزعزعة، – حتى الساعة على الأقل – في جدية سلطتهم الجديدة في تطبيق القرار 1701 وتفسير مندرجاته جنوب الليطاني وشماله، ليس بالطبع بسبب ما يطلقه مسؤولو “حزب الله” من وقت لآخر، وكان آخرَهم نعيم قاسم، من تصريحات التمسك بثلاثية شعب وجيش ومقاومة، بل لعدم وضوح الصورة لدى المجتمع الدولي، عن الكيفية التي سيتّبعها الحكم وسيلة إلى ذلك، غير التشديد الكلامي، كالذي صرح به رئيس الجمهورية أمام رئيس اركان هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة UNTSO الجنرال باتريك غوشا، على “ضرورة تطبيق القرار وانسحاب إسرائيل من أراضينا وإطلاق الاسرى اللبنانيين”، وخلال لقائه نائبة رئيس الوزراء السلوفيني وزيرة الشؤون الخارجية والأوروبية تانيا فاجون، بأن “لبنان يتطلع إلى وقوف الاتحاد الاوروبي الى جانبه لتطبيق بنود اتفاق وقف النار”.

يبدو أن البيطار عازم – كما فعل مع عويدات سابقًا – إحضار جميع المشتبه فيهم امام القضاء أيًّا تكن رتبهم، ولن يكتفي بالموظفين ذوي المراتب الدنيا

أمام سلام حقل ألغام، عطل منها لغم التشكيل ولغم التعطيل ولغم الميثاقية، وبقي في طريقه لغم البيان الوزاري، ولغم حيازة ثقة المجتمع الدولي، ولغم تطبيق القرار 1701، ولغم وضع لبنان على خط الحياد في صراعات المنطقة، ولغم الإصلاحات المالية، ولغم الإصلاحات الإدارية، ولغم القضاء المستقل، ولغم تنفيذ القرار الظني للقاضي البيطار، ولغم حماية الحدود، ولغم إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي والمرتفعات اللبنانية… وغيرها من ألغام، ما يحتسب إلا خبيرًا بتفكيكها، شرط عدم عرقلة اندفاعته التي ستكون لمصلحة لبنان وجميع اللبنانيين.

السابق
لبنان يَنتظر «وفاء» ترامب بوعد الانسحاب الاسرائيلي..وعَودة الحريري تُحرّك الاجواء الشعبية الراكدة!
التالي
وزير الخارجية السورية: نحترم لبنان كدولة جارة وسنكون إلى جانبه متى أراد ذلك