كثيرون كانوا قد وجهوا مباشرة أصابع الاتهام لجهة بعينها، انطلاقاً من ممارسات مريديها الذين تهجموا، في أكثر من مناسبة، على منزل عائلة لقمان مهددين ومتوعدين، بعبارات تشي بالنوايا المبيتة ضده، ككاتب ومفكر رفض التسليم بالامر الواقع، وبقي مصراً على حقه بالاختلاف السياسي والثقافي، لمعرفته أن الدستور اللبناني قد ضمن حرية التعبير، وإبداء الرأي قولاً وكتابةً، ضمن دائرة القانون.
في مواجهة الجلّاد
حينها، بدا جلياً وكأن الجلّاد قد دلّ على نفسه بنفسه، ذلك الجلّاد الذي تمثلت مشكلته مع لقمان سليم، في أنه قد رفع سقف النقد والاعتراض والاختلاف الى حدّ غير مسبوق، فكان شخصاً في مواجهة منظومة اعلامية وأمنية متغطرسة، قارعها كمناضلٍ يجيد المبادرة الفردية، بوسائل بدت في بدايتها أنها بسيطة، وإذا بها تتحول آلة صدٍّ ديمقراطية لكلّ ممارسات الهيمنة، وفرض الخيارات الكبرى على اللبنانيين عموماً، والشيعة خصوصاً، كرّسته صاحب رأي حر، لا يأبه لتلك التهديدات القاسية، التي مجّدت كاتم الصوت، واستسهلت الاتهام بالعمالة والخيانة واحتكار الحقيقة.
في ديدنه، الرأي لا يُستوعب ترهيباً أو ترغيباً، إنه متّسِعٌ كالكون، لا يحدّ من تأثيره مسدس ملعون، ولا يكتمه تهديد مبتور، فالحرية هي الانسان نفسه، إن تخلّى عنها طوعاً ماتت روحه قبل جسده، فحق في نظره قول المتنبي: “يرى الجبناء أن العجز عقل… وتلك خديعة الطبع اللئيمِ”.
في ديدنه، الرأي لا يُستوعب ترهيباً أو ترغيباً، إنه متّسِعٌ كالكون، لا يحدّ من تأثيره مسدس ملعون، ولا يكتمه تهديد مبتور، فالحرية هي الانسان نفسه
وبقدر ما تتجلّى نرجسية الطغاة، في مطولات مكتوبة أو خطب محكية، فقد أخافت الجملة الموجزة التي ينقلها عبر لسان ” صديقته الشريرة”، السلطة الضمنية التي احتكرت لنفسها، سيطرة صورية سماتها استسلام وخنوع الكثيرين، إما لمصلحة وإما لخوف، ومن خرج عن حدّه، وضع نفسه تحت مقصلة العنف العاري او الخداع الماكر.
إقرأ أيضا: لأن شهيدا مثل «لقمان» لا يموت.. في ذكراه الرابعة دعوة للإحتفال تحت عنوان: «العدل أسُّ الملك»
كذّبوا عليه وبهتوه، فبرزت عداوتهم على غير استحياءٍ، فكان جديراً بالمواجهة وكانوا جديرين بالخذلان. كان السّباق في دعم الثورة السورية، موجهاً الدعوات للتجمع في ميادين بيروت لتكون صرخة عاصمة لبنان مدوية، في وجه الظلم والقمع، ودعوة لتكريس حقوق الانسان، قال بما أن ظالم الشعبين واحد، فلتكن صرختنا واحدة ومدوية، وأينما أزهر الربيع وأمطرت غيمته، فخراجها سيكون تحت سقف حريتنا جميعاً في لبنان وسوريا.
خسارة محور التخوين
وتحلُّ ذكراه الرابعة وسط متغيرات سياسية كبرى في لبنان وسوريا وكل المنطقة، فمحور التخوين قد خسر الكثير من سطوته، بعد أن سقط نظام آل الاسد الذي قمع شعبه وأذله، وخاف من حرية لبنان وعروبته المنفتحة، فبسط هيمنته علينا طيلة ثلاثين عاماً، عبر وصاية غيّرت فلسفة وجود لبنان الدولة المسالمة، وسلّمته بعد انسحابها لوصاية ايرانية، رفضها لقمان وكثيرون معه من ابناء هذا الوطن الصغير، مطالبين بحرية واستقلال بلدهم المتنوع، القادر على أن يلعب دوره الريادي الثقافي والفني والسياسي، بعيدا عن لعبة المحاور التي جعلت لبنان رغماً عنه، ضمن مشروع توسعي أعلن جهارة، أنه بات يسيطر على اربع عواصم عربية، بيروت واحدة منها.
لبنان الذي حلم به لقمان وقدّم حياته ثمناً لحريته، أمامه فرصة ذهبية لقيام دولته السيدة المستقلة والمتفاعلة مع محيطها العربي
كما ونال الفلسطينيون نصيبهم من تدخلاته السافرة مغتالاً بعضهم تارة، ومخونا قادة شرفاء ومناضلين تارة أخرى، ليفوّت على الشعب الفلسطيني الفرص الكثيرة لقيام دولتهم، وبشهادة من عاصروا سطوته على لبنان، طلب حافظ الاسد من ياسر عرفات القيام باغتيال شخصيات وقادة لبنانيين من جميع المشارب والاتجاهات، في مقابل تسهيلات من دمشق تمكنه من حكم لبنان.
لبنان الذي حلم به لقمان وقدّم حياته ثمناً لحريته، أمامه فرصة ذهبية، لقيام دولته السيدة المستقلة والمتفاعلة مع محيطها العربي، والمنفتحة على العالم بتنوع ثقافي وانفتاح انساني، والتي تحترم القرارات الدولية والعربية، وبناء مؤسساته الدستورية، وتطبيق دستوره، حيث عاد لبنان ليحمي حدوده بقواه الذاتية، المتمثلة بالجيش اللبناني الذي ينال ثقة اللبنانيين والعالم.
إقرأ أيضا: لقمان المتمرّد يهزم في «رباعيته» فكر «القمصان السود».. والعدالة آتية!
العنف الذي نال من كرامة اللبنانيين صنفان: عنف مادي تمثل بالقتل، والضرب والايذاء الجسدي، وعنف معنوي تمثل بالتهديد والترهيب والشتم والاهانة، وغيرها من التصرفات التي تصيب شخصية وكرامة الانسان، فنال الشرفاء نصيبهم من القمع وتشويه السمعة، وصولا الى الالغاء الجسدي. إنها حقبة سوداء من تاريخ لبنان المعاصر، وضع اللبنانيون حداً لها، بعد انتخاب قائد الجيش جوزاف وتسمية القاضي الدولي نواف سلام رئيساً للحكومة، وخطاب القسم الذي دعا الرئيس من خلاله القضاء لتكريس العدالة باستقلال تام دون خوف أو وجل، قد أنصف جميع الشهداء الذين فقدوا حياتهم دفاعاً عن لبنان وحريته، وفي مقدمهم لقمان محسن سليم، فعسى أن يكون قد ولّى زمن الافلات من العقاب.

