لماذا لا نقول الحقيقة ولو مرة واحدة في مجتمعاتنا… لماذا لا نقف على ارض الواقع، ونرى ونسمع ما يجري حولنا ومن يهرب خلفنا ومن يهرب أمامنا… لماذا كل هذا اللف والدوران والكذب على أنفسنا وعلى الناس من حولنا ومن حوالينا… لماذا لا نعترف ونقول الحقيقة المجردة للناس المُضللّة المغلوب على أمرها في ظل غياب نخب وطنية عقلانية: لماذا لا نقول أنها حرب المصالح و التسويات و المساومات و التحاصص و المحاصصات بين إيران واسرائيل، وما ملكت إيمانهم الثيوقراطية الكاذبة، في مخاض ولادة الشرق الأسود الجديد العاثرة أو المُتعثّرة… نعم, حرب المصالح و التسويات و المساومات و التحاصص و المحاصصات… لماذا ايها السيدات والسادة لا نقول حقيقة ما يُعرف بالتحالف الغادر تاريخيًا، من الف باء المؤامرة الشيطانية إلى يائها. لماذا؟!… نعم، لماذا نراوح مكاننا في أماكننا دون إن نرى أمامنا وخلفنا ومن يهرب من ورائنا… رحم الله “ديوجين” الغائب عن وعينا وفي وعينا وأمامنا و ورائنا… رحم الله بلادنا النازحة في شوارعها وأرصفتها… رحم الله شعبنا الذي لم يعد يرى خلفه ولم يعد يراى أمامه… تحولنا من شعب طامح إلى نازح، يردد في هذه الأيام النازحة في دمائنا، إلى نازحة في دمائنا تبكي على الأطلال: “قيدوا شمعة يا أحبه ونورولي.. من هنا سكة ملامه.. ومن هنا سكة ندامة.. سكتين ياللا السلامة نمشي فين يا ناس قولولي…”؟!!
تحولنا من شعب طامح إلى نازح يردد في هذه الأيام النازحة في دمائنا إلى نازحة في دمائنا تبكي على الأطلال
في رواية “مئة عام من العزلة”، عندما تقع قرية ماكوندو في قبضة داء الأرق لعدة شهور، يتسرب الخوف إلى نفوس السكان، حيث يصبح هاجس النسيان مسيطراً عليهم. يخشون فقدان أسماء الأشياء والأحداث، فيلجأون إلى كتابة كل شيء، ويعلقون القصاصات على كل ما حولهم. لم يكتفوا بتسمية الأشياء، بل وصل بهم الحال إلى تدوين وظائفها وفوائدها، حتى شمل ذلك الأبقار والماعز والدجاج وغيرها. يصف غابرييل غارثيا ماركيز هذا المشهد قائلاً: “ظلوا يعيشون في واقع متأرجح، ممسكين به مؤقتاً عبر الكلمات، لكنهم كانوا يعرفون، في أعماقهم، أن هذا الواقع سينفلت منهم إلى الأبد عندما ينسون معاني الكلمات”. وكأن هذا المشهد الساخر من قرية ماكوندو ( يعكس حالنا في لبنان ). فنحن أيضاً نعيش في دوامة من النسيان والارتباك، نخاف من ضياع الهوية والتاريخ، فنتمسك بالشعارات وأسماء الزعماء و الطوائف، نكتبها ونعبدها بلا وعي، نضع على كل شيء لافتة وندّعي أننا فهمنا العالم. نكتب “الوحدة الوطنية” فوق الخرائط الممزقة، و”الكرامة الوطنية” على أرصفة الطائفية، و”النهضة الوطنية” على أنقاض مدارسنا ومستشفياتنا. نتمسك بالكلمات وكأنها ستحفظنا من الغرق في بحر الواقع المتفلت، لكننا نعلم، كما علم أهل ماكوندو، أن الكلمات وحدها لن تمنعنا من نسيان ما تعنيه حقاً بلادنا.
“من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضاً لم يخرج فلاديمير إيليتش اوليانوف – لينين عن النص في كتابه “مرض الشيوعية الطفولي”
“من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة، سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضاً”. لم يخرج فلاديمير إيليتش اوليانوف – لينين عن النص في كتابه “مرض الشيوعية الطفولي”، خصوصاً في العقلانية السياسية، كما يسميها البعض المختلف مع مرضى تعاطي الطوباوية الثورية المريضة، التي أكل الدهر عليها وشرب، ولكن النص خرج في ايامنا هذه، عن وظيفته التاريخية في لبنان الثيوقراطية الايرانية مدعية “النسب الشريف” و “الولاية الفقهية الشرعية”.. نعم في لبنان المخطوف من إيران الثيوقراطية الأصولية، في حقيقة الأمر واليقين وعينها… نعم، خطفوا لبنان.. وخطفوا النص وخطفوا النصوص كلها.. النص الذي يتناول بحرفية عالية الفرق بين مصلحة العدو من أين اتى.. ومصلحة البلد الوطنية والسيادية من الناحية الآخرى التي تقول: “القبول بدخول المعركة حين تكون المصلحةُ الواضحةُ، فيها مصلحةَ العدو إنّما هو جريمة. والذين لا يعرفون كيف يزوغون ويهادنون ويساومون، للتحاشي من معركةٍ ظاهرةِ المخالفةِ للمصلحة -الوطنية السيادية- هم قادةٌ سياسيّون للطبقة الثوريّة مثيرون للشفقة.” كان “نيتشه” على حق عندما قال فيلسوف الإنسان الأعلى: “أحيانا لا يريد الناس سماع الحقيقة، لأنهم لا يريدون رؤية أوهامهم تتحطم” كما يجرى مع محور ممانعة هذه الأيام الظلامية المظلمة.
يجادل جون ر. سيرل مؤلف كتاب رؤية الأشياء كما هي (نظرية للإدراك) ضد خطأ واحد محدد يرى أنه أرهق تفكيرنا بشأن الإدراك منذ القرن السابع عشر ولايزال شديد التأثير حتى الآن
يجادل جون ر. سيرل مؤلف كتاب رؤية الأشياء كما هي (نظرية للإدراك)، ضد خطأ واحد محدد يرى أنه أرهق تفكيرنا بشأن الإدراك، منذ القرن السابع عشر، ولايزال شديد التأثير حتى الآن: وهو الفكرة القائلة إننا لا نستطيع أن نُدرك مباشرة سوى تجاربنا الشخصانية الخاصة، لكننا لا نستطيع مطلقاً، أن نُدرك الموضوعات وظروف العالم في حد ذاتها، وهي الفكرة التي يشير إليها المؤلف بإسم”الحجة السيئة”. يعرّف المؤلف هذه المغالطة باعتبارها مصدر الأغلبية العظمى من حالات الالتباس في تاريخ فلسفة الإدراك. ومن هذا المنظور، فالواقع الوحيد الذي يمكننا الوصول إليه، هو الواقع الشخصاني لتجاربنا الخاصة، كما أن الهلوسات والتوهمات لها المكانة نفسها للمُدركات في العالم الحقيقي. يجعل هذا من المستحيل الإجابة عن السؤال المحوري: كيف تحدد الطبيعة التجريبية للمُدركات، ما نظن أننا نُدركه، أي كيف تحدد الفينومينولوجيا المضمون الإدراكي. وحتى النظريات الفلسفية عن الإدراك، والتي لا ترتكب خطأ الحجة السيئة، لا يمكنها الإجابة عن هذا السؤال. يجادل المؤلف بأننا نستطيع تجاوز الأخطاء السابقة بتقبل فكرة “الواقعية المباشرة”، وهي وجهة النظر القائلة بأننا ندرك الموضوعات والظروف بصورة مباشرة.
أعلن وزير الخارجية الإيرانية المتذاكي عباس عراقجي الثلاثاء الموافق في October 22 أن “الجمهورية الاسلامية الايرانية بذلت قصارى جهدها لخفض التصعيد في المنطقة، إلا أنها جاهزة لمواجهة كل السيناريوهات”، معتبراً أن “احتمال توسع رقعة الحرب وارد”.
نعم، مواجهة كلّ السيناريوهات بدم ولحم وعظم، واملاك وثرواث ومستقبل الاخرين من الشعوب العربية، من العراق واليمن وسوريا إلى لبنان، وصولاً الى فلسطين، كما شاهدنا ونشاهد في هذه المرحلة الجهنمية، من إبادة جماعية ودمار شامل فوق رؤوسنا، في حين لا نرى من خبراء السجاد العجمي وعقودها وتعقيداتها، من القطب الظاهرة الملونة والقطب المخفية العميقة.. وشعاراتها المرفوعة منذ ما يزيد عن اربعة عقود، سوى يافطة كتُب عليها “يوم القدس العالمي” وتحرير فلسطين على الشاشات فقط، دون ان نرى نقطة دمُ إيرانية واحدة سقطت على التراب الفلسطينية.. دون ان نذكر ونتذكر إشعال الفتن والمؤامرات والمواجهات بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، في اكثر من زمان ومكان من غزة، الى مخيم الشتات الفلسطيني في عين الحلوة – مدينة صيدا اللبنانية في محاولات ايرانية يائسة لمصادرة القرار الوطني الفلسطيني، من الشرعية الوطنية الفلسطينية وللمؤامرات الإيرانية، في بلادنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية بقية باقية، لا تتسع لها هذه السطور. هذا دون أن يأتي معالي وزير خارجية المرشد الاعلى، على أن إيران عدلت عن رغبتها في إرسال بعثة ديبلوماسية تجول على مراكز إيواء النازحين في مختلف المناطق اللبنانية، كما كان مقرر لها، بعد نصيحة تلقتها بسبب نقمة النازحين على طهران، التي يحملونها مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم، من موت ودمار ونزوح وبكاء على الأطلال.
ايران تواجه كلّ السيناريوهات بدم ولحم وعظم واملاك وثرواث ومستقبل الاخرين من الشعوب العربية من العراق واليمن وسوريا إلى لبنان وصولاً الى فلسطين
هذا في حين لفت والتفت الوزير الإيراني المتذاكي، إلى أنه عقد “لقاءات مع عدد من قادة دول الجوار ولمس توافق الجميع على ضرورة تفادي الحرب”. وقال : “إذا استمر العدوان الصهيوني في اعتداءاته فسنرد عليه”، مشيراً إلى أن “إيران لا تريد الحرب في المنطقة لكنها مستعدة لأي حرب”. وشدد “معاليه” على أن “احتمال توسع رقعة الحرب وأرد لتكون حربا شاملة في أرجاء المنطقة”، مؤكداً أستعداد بلاده “لمواجهة السناريوهات كافة”، وكأنه يتعامل مع طلاب في المرحلة الابتدائية. دون أن ياخذ في الحسبان الاعتبارات العلمية الحديثة في “جغرافية الفكر” على سبيل المثال وليس الحصر. نعم، جغرافية الفكر الحديث في كتاب “ريتشارد اي نيسبيت” في منهجه وموضوعه وأفكاره وتنبؤاته، والذي يتحدى بديهيات مثل أن جميع الناس يفكرون بطريقة واحدة في كل أنحاء العالم، أو أن العقل قسمة مشتركة متساوية المحتوى والمنهج بين الجميع.. الكتاب الذي يبحث في الأصول الاجتماعية للعقل: كيف يفكر الناس؟ بل وكيف ولماذا يختلفون في إدراكهم؟ بل وفي رؤيتهم البصرية؟
إقرأ أيضاً: مال باريس في نار لبنان..هل يوافق الحزب على «التقاعد»؟!
ولماذا أختلفت طريقة التفكير واختلفت النظرة إلى العالم، بسبب إختلاف وتباين الهياكل الإجتماعية الإيكولوجيات والفلسفات ونظم التعليم منذ آلاف السنين وحتى اليوم، مع شواهد من الإغريق والصين قديماً، أنه خارطة توضح الفواصل بين الثقافات والرؤى و المعرفة، تكشف أن هناك فكر وثقافة ومعرفة عوالم لا عالم واحد، ويحدد أيضا الجسور للوصل بينها، ويعرض تنبؤاته، في ضوء التحولات العالمية الجديدة والمستجدة في رؤية وقراءة الأشياء الواقعية كما هي. نعم، رؤية وقراءة الأشياء الواقعية، كما هي يا معالي وزير الخارجية الايرانية الخارجة عن كل واقعية سياسية!

