النبطية رافقت شبابي منذ العام ٧٢… أنا الجنوبي الذي ولد وترعرع من اسرة فقيرة في الضاحية الجنوبية، حيث كانت الاف العائلات الجنوبية تعيش وتعتاش هنالك من الاعمال والمهن الصغيرة… في الضاحية الجنوبية حيث الحياة تضج بالحركة منذالصباح الباكر حتى اواخر الليالي، وحيث كانت تتعالى اصوات الباعة في الطرقات بحثا عن لقمة العيش .
اما الدراسة فكانت في مدارس الفقراء المجانية، ومن ثم الانتقال الى المدرسة الرسمية …وعندما كبرت العائلة واصبح عددنا ثلاثة عشر فردا في غرفتين صغيرتين.
كانت العاشوراء من افضل المناسبات التي ينتظرها اهالي النبطية، بحيث كانت شبه الكرنفال بالنسبة اليهم. وكانت الحشود تاتي من كل القرى الجنوبية، للتلاقي الاجتماعي على البيدر
ذكريات
قررت الذهاب الى النبطية للمشاركة في مباراة الدخول الى دار المعلمين في النبطية، حيث نجحت وسكنت قي منزل ريفي، مؤلف من غرفة سكن واحدة في النبطية الفوقا بالقرب من دار المعلمين وكانت المنحة الدراسية مئة ليرة لبنانية، ثم زادت قيمتها لتصل الى ١٢٥ ليرة شهريا وكانت كافية لكل ما احتاجه انذاك .. وفي الحقيقة لم استطع ان اتأقلم مع مجتمع النبطية خلال الاشهر الاولى من السكن، فامضيت وقتي في الدراسة وتسجلت في ثانوية الصباح ليلا، لاملأ الفراغ والاستفادة من الوقت.
وكنت امضي نهاية الاسبوع مع اخوتي في بيروت، لمتابعة شؤونهم المختلفة، وارى بعض الاصدقاء من لاعبي الفوتبول في فريق النجوم، الذي تحلقنا حوله منذ الطفولة.
وسرعان ما عدت وتعلقت بهدوء النبطية الفوقا، وصرت اشتاق الى رائحة الزهور والياسمين على سطيحة المنزل، حيث ضوء القمر وحفيف اوراق الشجر، وهدوء الكون من حولي. وبعدها عشقت كل تفاصيل المدينة باسواقها الشعبية وسوق الاثنين، ومحلات الحلويات ورياضة الفوتبول مع النادي الاهلي لمدينة النبطية، والكسدورة عصرا على طريق الدير.
عاشوراء
وكانت العاشوراء من افضل المناسبات التي ينتظرها اهالي النبطية، بحيث كانت شبه الكرنفال بالنسبة اليهم. وكانت الحشود تاتي من كل القرى الجنوبية، للتلاقي الاجتماعي على البيدر، حيث تقام مناسبة العاشوراء في كل عام. كما ازدهرت مدينة النبطية تجاريا، عبر التواصل بينها وبين جميع اقضية المحافظة، وحيث تجمعت في سرايا النبطية مختلف الادارات الرسمية، قبل انتقالها لاحقا الى ما كان يسمى بالاطراف. وكانت النبطية ناشطة على الصعيد التربوي، ومشهودا لها بذكاء طلابها ونباهتهم وتوقهم للسفر نحو الخارج، للدراسة او للتفاعل مع المجتمعات العالمية، واكتساب تقافاتهم وحضارتهم وعلومهم الانسانية او التجارية ..
عشقت كل تفاصيل المدينة باسواقها الشعبية وسوق الاثنين، ومحلات الحلويات ورياضة الفوتبول مع النادي الاهلي لمدينة النبطية، والكسدورة عصرا على طريق الدير
انها بالفعل مدينة العلم والثقافة، ومنبت العالمين الشهيرين حسن كامل الصباح ورمال رمال. وهي حاضنة الاديرة ومصنع الرجولة والابداع الفكري والثقافي، المنفتح على جميع الطوائف والاديان. ولربما كان ذلك سبب الكراهية التي عبرت عنها دولة العدو بارتكابها مجازر الانتقام من حجرها وبشرها، الذين لا يمكن لهم ان يتعايشوا مع العنصرية الصهيونية، فكان نصيبها الاغتيال الحاقد الذي شهدناه الان بابشع مظاهره ..
لكن لا شيء يطوي تاريخا، تألق ليصنع نورا من اشعة الشمس ينير به البشرية جمعاء، كعربون حب ووفاء لكل شعوب العالم ..وهذه المدينة موجودة في الاذهان والوجدان، كما في الضمائر في جسد الانسان. اما الصهيونية المعادية للانسانية فلقد اقتربت من نهايتها، وهي حتما تحفر قبرها وتسير قدما نحو الزوال.

