إعتبر احد إعلاميّي قناة “الحدث” مطالبتي للّبنانيّين بالذّهاب إلى المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، للشكوى على قادة إيران لإرتكابهم جريمة عدوان ضدّ وطننا، بأنّها غير واقعيّة.
لا عجب! لقد واجهت هذا الأمر أيضا، عندما وقعت جريمة المرفأ في آب ٢٠٢٠. قمت حينها بجولة على عدد كبير من المسؤولين، ورجال القانون والسّياسة لإقناعهم بالتّحرّك، منبّها أنّ الصّمت، سيضع وزر الجريمة، ونتائجها المادّيّة والمعنويّة، على كاهل اللّبنانيّين. تبيّن لي في حينها، أنّ اللّبنانيّين يجهلون حقيقة هذه المحكمة، ولا يعرفون أهمّيّتها في الدّفاع عن الشّعوب، الخاضعة لظلم قيادات شموليّة عقائديّة، او ديكتاتوريّة.
تتكرّر هذه الصّورة مجدّدا، في وقت يرى القاصي والدّاني عمق التّدخّل الإيراني بشؤوننا الوطنيّة، وممارسته العمليّة في قيادة ميليشيا عسكريّة مسلّحة على الأرض اللّبنانيّة، خارج إطار الشّرعية الوطنيّة، والقيام بأعمال عسكريّة داخل لبنان، وأيضا ضدّ دول أخرى قريبة وبعيدة.
يرى القاصي والدّاني عمق التّدخّل الإيراني بشؤوننا الوطنيّة وممارسته العمليّة في قيادة ميليشيا عسكريّة مسلّحة على الأرض اللّبنانيّة خارج إطار الشّرعية الوطنيّة والقيام بأعمال عسكريّة داخل لبنان
لا يمكننا فهم عدم سعي السّياديّين الأحرار إلى تقصّي هذا الأمر، وطرق أبواب المحكمة في لاهاي، ومطالبة سفراء دول صديقة أعضاء في المحكمة، بالمساعدة. لقد تحادثت بنفسي عام ٢٠٢٠ إلى سفير دولة لاتينيّة صديقة، فأكّد بعد مناقشات، إستعداد بلاده لنقل قضيّة جريمة المرفأ إلى المحكمة، إذا تمّ تزويدها بالوثائق والمعلومات الكافية. لم يتمّ ذلك، إذ تلكأ الضّحايا أنفسهم، عن تزويده بهذه الوثائق نتيجة ضغوط السّياسيّين، وعدم الإكتراث بحقوقهم الشّخصيّة.
نستمع إلى مداخلات وإنتقادات، بلّ لإتّهامات بالجملة، يطلقها سياسيّون يدّعون الدّفاع عن السّيادة، وعن دور الدّولة والشّرعيّة الوطنيّة، ضدّ ما تقوم به إيران على السّاحة اللّبنانيّة. لكنّهم، وعلى الرّغم من كلّ شروحاتنا، لا يقومون بأيّ جهد عمليّ، لتحويل الكلام إلى عمل قانونيّ سياسيّ إستقلاليّ فعلي.
إقرأ ايضاً: «الحرس الثوري» يُقّر بتنفيذ «الحزب» والحشد الشعبي والحوثيين الاجندة الايرانية..لن نخوض حرباً مع إسرائيل!
أذكر تماما أنّ بعض الذين تحمسّوا لطروحاتنا في حينه، طلبوا مقابلة مبعوث الولايات المتّحدة، السّفير دايفيد هايل، الذي زار بيروت بعد تفجير المرفأ، لمفاتحته بوجوب مراجعة المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، لكنّ المرجع القانوني د. شبلي الملّاط، نصحهم بتجنّب ذلك “لأنّ أميركا تعارض المحكمة”. لم يكمل المتحمّسون مسعاهم.
بعد لقاء معراب أنّ أهل المعارضة لا يريدون الخروج عن السّقف الأميركيّ في مواجهة الدّور الايرانيّ في لبنان ولذلك يمتنعون عن اتّخاذ أيّ إجراء عمليّ باستثناء المطالبة الدّائمة الممجوجة
وها نحن نرى اليوم بعد لقاء معراب، أنّ أهل المعارضة لا يريدون الخروج عن السّقف الأميركيّ، في مواجهة الدّور الايرانيّ في لبنان، ولذلك يمتنعون عن اتّخاذ أيّ إجراء عمليّ باستثناء المطالبة الدّائمة الممجوجة، بتطبيق القرار ١٧٠١. إستمعنا إليهم ينتقدون عدم قدرة “اليونيفيل” على فرض ذلك القرار، لكنّ لم نسمع أيّة مبادرة عمليّة، تطالب الحكومة مثلا، بإتخاذ إجراء بهذا الصّدد. لا عجب، فهم جزء من هذه الحكومة التي تضمّ حزب إيران أيضا.
ثمّة حاجة ماسّة إلى موقف لقوى تمثيليّة وطنيّة تنقل المواقف المعارضة للتّدخّل الإيراني في لبنان من مجرّد الكلام الإعلامي الإنشائي إلى عمل جادّ
ثمّة حاجة ماسّة إلى موقف لقوى تمثيليّة وطنيّة، تنقل المواقف المعارضة للتّدخّل الإيراني في لبنان، من مجرّد الكلام الإعلامي الإنشائي، إلى عمل جادّ. نطالب المجموعات الجادّة في ثورة تشرين، القيام بهذا الأمر. فهذه المجموعات، فشلت في تحرّكها الثّوري عام ٢٠١٩، لأنّها رفضت في حينه، مواجهة التّدخّل الإيراني، ودور حزبها في خنق السّيادة الوطنيّة، ومنع استعادة الدّولة المركزيّة دورها في تكوين الإنتظام العامّ. نطالب تلك المجموعات، أن تقوم بالتّحرّك مجدّدا تحت العنوان الصّحيح، ألا وهو، طرد إيران من لبنان، ونزع سلاح حزبها ووقف دوره، ودور كلّ الأحزاب الميليشياويّة، وفقا لإتّفاق الطّائف. هذا هو المدخل للتّحرّر من الطّبقة السّياسيّة الفاسدة في البلاد.

