قد يكون أخطر ما تعرض له شيعة لبنان عبر تاريخهم، هو محاولة جعلهم وقوداً لقطار المشروع الإيراني التوسعي، هذا المشروع الذي لم ينتج إلا الخراب والنكبات، لشعوب الدول العربية التي دخلها، وللشعب الإيراني ذاته.
حزب الله الذي احتكر بسلاحه قرار السلم والحرب في لبنان، لم يكن يوماً يملك قراره
يقول الباحث المختص في الشأن الإيراني عمار جلو: “حزب الله الذي احتكر بسلاحه قرار السلم والحرب في لبنان، لم يكن يوماً يملك قراره، فالقرار دوماً مركزه طهران، حيث تفرض ولاية الفقيه قداستها على أية مصلحة للشعب اللبناني عموماً، والمجتمع الشيعي بشكل خاص، ليجد لبنان نفسه معزولاً عن بعده العربي، الذي طالما كان الداعم الاقتصادي والسياسي للبنان، كل لبنان”.
حروب متتالية دفعت إيران شباب “حزب الله” إليها، إن كان داخل لبنان أو خارجه، محملين بشعارات دينية كبرى، لا تتماشى مع حالة التعايش التي يحتاجها لبنان، لتخلق شروخاً متفاوتة بين المجتمعات اللبنانية والمجتمع الشيعي فيه.
ويتابع الباحث جلو: “لم يكترث القرار الإيراني بمصلحة لبنان أو شيعته، أو حتى مصلحة حزب الله ذاته، ليزجّه في “حرب الإسناد” مكشوفاً مخترقاً، ليتعرض لضربات قاسية متتالية، أنهكت هيكله العسكري والأمني، قيادةً وعناصرَ، من خلال عمليات استهداف متلاحقة، طالت أبرز وأهم الشخصيات القيادية العسكرية في الحزب، من فؤاد شكر إلى قيادات قوة الرضوان ووحدة عزيز ووحدة نصر، بما فيها “عملية البيجر” و”عملية اللاسلكي”، (الفضيحتان اللتان كشفتا خطر الاختراق الأمني الذي ينخر في جسد الحزب)، والذي مهد لاغتيال أمينه العام السيد حسن نصر الله.
حزب الله بجسده المنخور اختار – بقرار إيراني – خوض “حرب الإسناد”، دون دراية أو تدقيق بالعواقب، التي ستجرها هذه الحرب على لبنان المنهار اقتصادياً، وعلى الجنوب بشكل خاص، كونه أرض المواجهة، ليصل أهالي الجنوب إلى لحظة الحقيقة، وهي أن الحزب غير قادر على حمايتهم، وأن إيران ليست معنية بتقديم أي دعم لهم، سوى التصريحات العلنية والأوامر المخفية ل”حزب الله”، بالاستمرار في حرب لم يكن قادراً على تحمل تبعاتها، بل إنه عجز فيها عن حماية نخبة قياداته وعناصره.
كشفت تفجيرات أجهزة النداء واللاسلكي بشكل قطعي، حجم تغلغل إيران الرسمي والحرس الثوري الإيراني في مفاصل الحزب، سواء في سوريا أو لبنان، وأنها جزء من الجهاز العصبي للحزب.
كشفت تفجيرات أجهزة النداء واللاسلكي بشكل قطعي، حجم تغلغل إيران الرسمي والحرس الثوري الإيراني في مفاصل الحزب
لم تقدّم إيران للجنوبيين في نزوحهم، أو نحو عام من الحرب أي مساعدات، وتركتهم وحدهم يواجهون نيران الحرب وتبعاتها، حتى وعود إعادة الإعمار – التي كانت حاضرة في حرب تموز 2006 – غابت تماماً، كما غابت مساعدات تموز 2006.
قد يكون أقصى ما يمكن أن يحصلون عليه في النهاية، مقولة “لو كنت أعلم”
لم تكن مأساة أهالي الجنوب بالنسبة لإيران، أكثر من ورقة تلعبها على طاولة مصالحها، غير مكترثة بحجم الكارثة، أو بالثمن الذي دفعه ويدفعه أبناء الطائفة في لبنان، وقد يكون أقصى ما يمكن أن يحصلون عليه في النهاية، مقولة “لو كنت أعلم”.

