بعد أن تحولت «المشاغلة» إلى إستنزاف.. التصعيد إلى أين؟!

ياسين شبلي

كان واضحاً منذ بداية عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها كتائب “عز الدين القسام” في السابع من تشرين الأول الماضي، والتي ردت عليها إسرائيل بحرب “السيوف الحديدية” المستمرة منذ ما يقارب الثمانية أشهر، بأن محور الممانعة، ومن ضمنه طبعاً رأس حربته في المنطقة “حزب الله” ليس في وارد الدخول في حرب واسعة وشاملة مع إسرائيل، حيث أكدَّ منذ البداية وعلى لسان المسؤولين الإيرانيين، وكذلك مسؤولي “حزب الله” بأن العملية “صناعة فلسطينية” خالصة – إن جاز التعبير – ، وهو ما فُسِّر يومها بأن المحور، ليس في وارد الدخول في المعركة وتوسيعها، خاصة بعد التحذيرات الأميركية وتحرك الأساطيل إلى المنطقة، في ظرف إتَّسم بالغضب والتشنج والتعاطف الدولي مع إسرائيل، جراء الضربة القاسية وغير المسبوقة التي تلقتها، وأحسنت الإستثمار فيها إعلامياً، عبر ضخ كم هائل من الأكاذيب والتضليل، وتضخيم بعض الوقائع على عادتها، في مثل هذه الحالات.

هو ما فُسِّر يومها بأن المحور، ليس في وارد الدخول في المعركة وتوسيعها خاصة بعد التحذيرات الأميركية وتحرك الأساطيل إلى المنطقة


في ردها على هذه التطورات، وفي محاولة منها لعدم فقدان مصداقيتها، جرَّاء الشعارات التي تضخها بصورة مستمرة، لأتباعها في المنطقة والعالم، وآخرها شعار “وحدة الساحات”، إرتأت قيادة المحور – وهي هنا بالطبع إيران – ببراغماتيتها المعهودة والمعروفة عنها، أن تمسك العصا من الوسط، بحيث لا تدخل حرباً قد لا تكون مستعدة لها تماماً – هذا إن كانت أصلاً في هذا الوارد – من جهة، ومن جهة أخرى لا تترك “حماس” وحيدة في ساحة المعركة، لتبدو وكأنها تخلت عنها، وبذلك تكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد، الأول تكون أنقذت ماء وجهها على الأقل أمام مريديها، والثاني محاولة الإستثمار في الوضع والإفادة من وقائع الميدان، خاصة على الجانب اللبناني من الحدود، وهو الجانب الأكثر إيلاماً للعدو بطبيعة الحال، والأكثر تنظيماً وربما إلتزاماً، بالتعليمات الصادرة عن طهران، كما أن ظروف لبنان، ومشاكله الحدودية الدائمة والمستمرة مع إسرائيل، قد تعطي بعض المبررات لفتح الجبهة بذريعة الرد الوقائي، مع إعطاء بعض الأدوار المساندة إلى كل من الأذرع الأخرى، سواء في اليمن أو العراق، تطبيقاً ولو خجولاً لشعار “وحدة الساحات”، فكانت حرب ” المشاغلة ” من جنوب لبنان في اليوم التالي لعملية “طوفان الأقصى” وبمبادرة من “حزب الله”، والتي كان واضحاً منذ بدايتها، أنها فُتحت لتبقى مضبوطة تحت سقف قواعد الإشتباك المعمول بها منذ العام 2006، بحيث بدأت العمليات في مزارع شبعا، بإعتبارها أرضاً “لبنانية” محتلة، الأمر الذي لم تقبل به أو تخضع له إسرائيل بطبيعة الحال، بإعتبارها الطرف الآخر من المعادلة، لأنه يضعها موضع الطرف الضعيف، الذي يتلقى ضربات عدوه، الذي نجح بجرِّه إلى ملعبه.

من ثم بدأت التصعيد تدريجياً في ما بدا وكأنها عمليات جس نبض لمدى إلتزام “حزب الله” بقواعد الإشتباك


فكان أن وسَّعت بيكار المواجهة وبدأت بقصف القرى الأمامية على طول الجبهة الممتدة على 120 كلم، ومن ثم بدأت التصعيد تدريجياً في ما بدا، وكأنها عمليات جس نبض لمدى إلتزام “حزب الله” بقواعد الإشتباك، هو الذي بدأ يوسِّع دائرة إستهدافاته أيضاً إنما بطريقة بدت مدروسة ومحسوبة، بحيث لا تخرق هذه القواعد بشكل يجر المنطقة إلى حرب، فكانت إسرائيل في كل مرة توسِّع دائرة إستهدافاتها أكثر، بحيث بدأت بإستهداف المدنيين ومن ثم بدأت عمليات “إصطياد” للكوادر والقادة الميدانيين ل”حزب الله”، وصولاً حتى قصف الضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من كانون الثاني الماضي، حين إغتالت عضو المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري ومساعديه، وهو ما كان يُنظر إليه على إنه تطور خطير قد يكسر قواعد الإشتباك لتفلت الأمور من عقالها، الأمر الذي لم يحدث فكان هذا الإغتيال هو الحدث – الإشارة بعجز، أو أقله عدم رغبة المحور بالرد بالمثل، كما كان يهدِّد دائماً أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بغض النظر عن الدوافع والأسباب التي تمنع الرد، وهو ما جعل إسرائيل تتمادى لتُحوِّل الأمر إلى حرب إستنزاف للمقاومة في لبنان، أفقدها الكثير من كوادرها ومقاتليها بلغ ال400 شهيد بخلاف المدنيين، وهي حصيلة ثقيلة جداً عسكرياً وإنسانياً ومعنوياً، وكذلك إستنزاف لبنان عبر التدمير الممنهج الذي إعتمدته، ولا زالت للقرى الأمامية ونسبياً إلى ما بعد بعدها.
مع إستمرار الحرب التي تدخل شهرها التاسع بعد أيام، والتي لم يكن أحد بإعتقادي – وضمناً محور الممانعة وقيادته – يعلم أو يتصور أنها قد تستمر كل هذا الوقت – على طريقة لو كنت أعلم – بدا وكأن الوضع على الجبهة اللبنانية بات حرجاً ومحرجاً، بعد التمادي والتصعيد المتواصل الذي تعتمده إسرائيل، في الوقت الذي بدا فيه “حزب الله” مكبلاً، وخاضعاً لضرورات الإستراتيجية الأوسع، المرتبطة بما يقرِّره رأس المحور ، فكان التصعيد في الشهرين الماضيين خاصة الشهر الماضي، الذي شهد أكبر عدد لعمليات الحزب ضد المواقع الإسرائيلية، وكأنه محاولة لتعويض فارق حرية الحركة، التي تميل لصالح الإسرائيلي، وذلك عبر إستعمال مكثف للأسلحة الأكثر تدميراً من الصواريخ الثقيلة، التي كان يستعملها بالشهور الماضية بشكل محدود، إلى المسيَّرات الإنقضاضية، إضافة إلى تكثيف عملياته النوعية من حيث المواقع المستهدفة أيضاً، بحيث باتت تستهدف الثكنات ومواقع السيطرة والتحكم، كما إستهداف البيوت بشكل تدميري، ولكن ضمن نطاق محدًّد مع بعض الخروقات لزوم جس النبض، وهو ما ظهرت نتائجه جلية واضحة من ردود فعل قادة المستوطنين وصرخاتهم، بوجه القادة السياسيين والعسكريين خصوصاً في الأسبوعين الأخيرين، وهو ما يطرح السؤال عن المنحى الذي قد تتخذه تطورات الأيام المقبلة، خاصة مع طرح خطة بايدن الذي أرفقها بحديث عن ترتيبات مع لبنان، وهو ما أكَّد عليه مستشاره لشؤون الطاقة ومبعوثه إلى لبنان وإسرائيل آموس هوكشتاين، في حديث لمؤسسة ” كارنيغي للسلام الدولي”.

بدا وكأن الوضع على الجبهة اللبنانية بات حرجاً ومحرجاً بعد التمادي والتصعيد المتواصل الذي تعتمده إسرائيل في الوقت الذي بدا فيه “حزب الله” مكبلاً


ويبقى السؤال، هل يستمر التصعيد في الفترة المقبلة الفاصلة بين طرح بايدن وتنفيذه – في حال تمت الموافقة عليه – لمحاولة كسب “مواقع تفاوضية” جديدة، وهل هي بداية النهاية للحرب؟ أم هي نذير صيف حار جداً مقبل على لبنان قد “يهرب” إليه نتنياهو إذا ما أُضطر للرضوخ في غزة بسبب الرهائن؟ أسئلة متفجرة بإنتظار الإجابة عليها، في ظل سباق محموم ما بين الإنفجار والإنفراج.. فأيهما يسبق؟

السابق
بالصور: جولة رسمية على المسؤولين.. باقري كني في السراي
التالي
إشتباك جديد بالدم بين مجموعات «الحزب» وقوات الأسد.. ما علاقة المخدرات؟