يظهر المشهد السياسي والعسكري الحالي في لبنان خطرا كبيرا، ويواجه جسم “حزب الله” التنظيمي والعسكري اسئلة حرجة وقلقة، في خضم مواجهة عسكرية، بدأت في ٨ تشرين ٢٠٢٣ امتدادا لحرب غزة، وهجوم “حماس” تحت عنوان ” طوفان الاقصى”.
فعلى مدى اكثر من مائة يوم، دفع “حزب الله” ثمنا غاليا وصل الى أكثر من ١٦٠ شهيداً من مقاتليه على خطوط المواجهة
فعلى مدى اكثر من مائة يوم، دفع “حزب الله” ثمنا غاليا، وصل الى أكثر من ١٦٠ شهيداً من مقاتليه على خطوط المواجهة، خلال مدة قصيرة ومعركة محدودة، يضاف اليهم عشرات الكوادر القيادية العسكرية، التي قامت اسرائيل باستهدافها، بعمليات جراحية تستند الى معلومات استخبارية دقيقة ومتابعة للاهداف لصيقة، وترافق ذلك مع تصفيات اخرى، قامت بها اسرائيل لقيادات في “حماس” في لبنان وسوريا، واغتيال قيادات في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الايراني في دمشق، وتزامن ذلك مع تصفية كوادر عراقية، عبر عمليات اميركية واسرائيلية أيضا، وتشكل هذه العمليات نسقا غير مسبوق، من نجاح اسرائيل في تفكيك العصب القيادي لفيلق القدس الايراني من راس قمته الايراني، الى مفاصل امتداداته في سوريا ولبنان وفلسطين، ويشكل هذا النجاح معضلة حقيقية ل”حزب الله”، سيما انه تم انجازه، في مدة زمنية قصيرة وبإداء سريع وشبه يومي.
حرب الابادة الجماعية التي تشنها اسرائيل على غزة قد اظهرت على المستوى الاستخباري والامني فشلا اسرائيليا غير مسبوق ايضا
من ناحية اخرى، فان حرب الابادة الجماعية التي تشنها اسرائيل على غزة، قد اظهرت على المستوى الاستخباري والامني، فشلا اسرائيليا غير مسبوق ايضا، وجهلا لاجهزة الامن الاسرائيلية في خفايا “كتائب القسام” وبنيتها العسكرية واللوجستية، وخطوط امدادها وتموينها وخدمات طبابتها، ومراكز سجونها ومخازن اسلحتها، وعلى الرغم من نجاح اسرائيل في اجتياح كل مساحات القطاع ومدنه واغلبية مخيماته، وعلى الرغم ايضا من سيطرتها الجوية التي تتيح لها مراقبة كل مساحة غزة وشواطئها وحدودها، فقد بقيت كتائب “القسام” قادرة على استنزاف جيش الاحتلال وايقاع خسائر يومية فادحة بآلياته وجنوده، وفي إدامة القدرة على قصف مدنه ومستوطناته بصواريخها المختلفة. ولم تنجح اسرائيل خلال حربها، لا بتحديد موقع قيادة “القسام” واستهدافها، ولا باستكشاف وتحديد امكنة الاسرى الصهاينة والعمل لاطلاقهم.
المفارقة صارخة وجلية؛ اجهزة الاستخبارات والامن الاسرائيلية في قمة نجاحها وانجازاتها، في مواجهة ” فيلق القدس” بكل تكويناته ؛ “حزب الله”، “حماس” لبنان وسوريا، ميليشيات العراق، ايرانيو “الحرس الثوري” في دمشق وحتى ايران، وهي ذاتها هذه الاجهزة، فاشلة عاجزة تجاه الوضع في غزة، فشل كامل قبل “طوفان الاقصى” ثم فشل مستزاد بعد ذلك الطوفان.
اجهزة الاستخبارات والامن الاسرائيلية في قمة نجاحها وانجازاتها في مواجهة ” فيلق القدس” بكل تكويناته
يطيب للكثيرين من خصوم “حزب الله” وحلف ايران، ان يعتبروا ان “حماس” في غزة هي امتداد صرف ايراني في فلسطين ليس اكثر، ويتجاهلون حقيقة ان هذه الحركة، وان كانت جزءا من حلف الممانعة فانها وليدة قضية فلسطينية تعيش في وجدان اهلها عبر تاريخ طويل وواقع يومي، يصطدم بالاحتلال بشكل ملموس لا يمكن تجاهله، ويعتبر هؤلاء، تعسفاً، ان الحرب في غزة، هي حرب إيرانية تدور على ارض فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وفي اعتقادي ان هذا التوصيف هو توصيف خاطئ بنسبة ٨٠%. فالفارق بين حماس وبقية اطراف الممانعة، هو فارق جوهري بين ابناء القضية من جهة اولى، و بين خاطفي رايتها من جهة ثانية، و”طوفان الاقصى” عملية فلسطينية فاجأت ايران واربكتها، ولم تكن على علم بها، ولم تكن لتقبل تنفيذها في هذا التوقيت والظروف التي اندلعت بها، لكن بعد اندلاعها، كان لا بد لايران من التدخل في مجرياتها، بدل الاكتفاء بدور جمهور المتفرجين عليها، وهو ما فعلته ايضا الدول العربية التي تحركت كل حسب مصالحها، لكن هذه الدول لن تذهب في الازمة الى حرب وتصعيد فيها! ولن تقبل بتبني اجندة “حماس” او تبني رؤية ايران لها.
هذه الحركة وان كانت جزءا من حلف الممانعة فانها وليدة قضية فلسطينية تعيش في وجدان اهلها عبر تاريخ طويل وواقع يومي
وقد اتى التعاطي الايراني في مجريات الحرب على غزة، تنصلا منها بداية، ثم تطور دعما انتقائيا وجزئيا، يمتنع عن التصعيد المباشر، ويتنجب الانزلاق الى حرب اقليمية واسعة، ملتزما سقفا منخفضا من المواجهة، لا يلبي مزاعم وحدة الساحات ولا شعارات “فيلق القدس” بتسوية تل ابيب بالأرض، ولا وعود “حزب الله” ب ” يا قدس قادمون”. وبعد ان زعم “حزب الله” ان محور المقاومة يمتلك غرفة عمليات مشتركة للحرب في غزة، يديرها امينه العام من بيروت، ترجل السيد حسن نصرالله عن صهوة القيادة، لينتقل بعد مضي خمسة اسابيع من الحرب، الى موقع ظهير للإسناد والمشاغلة.
بنيت وحدة الساحات، التي اعلنها ونظر لها السيد نصرالله، تنفيذا لإرادة طهران لتكون في خدمة ايران، ولذلك تتوحد ساحات الممانعة، وتشتبك لحماية طهران وتوسيع نفوذها، او درء خطر يطال مصالحها او هجوم يشن عليها، وازمة “حزب الله” اليوم، ان محمد الضيف القائد العسكري ل “القسام” في غزة، قد اعتبر ان خطابات السيد نصرالله ووعوده، يمكن ان تشكل استراتيجية عملية، وان وحدة الساحات لمحور الممانعة يجب ان تكون من اجل فلسطين وعلى ارض غزة، ووضع خطة لتنفيذها وفتح المواجهة على مصراعيها، ودعا اطراف المحور للالتحاق بمعركة قرر زمانها ومكانها، وقد احدث خيار الضيف هذا، انقلابا في مركز ثقل محور الممانعة، فإنتقل مركز الثقل، واصبح في غزة بدلا من طهران او حارة حريك، وتسبب بتغيير طبيعة قيادة المحور، “حماس” بديلا ل”حزب الله”، وتعديلا في اولويات اجندته، فلسطين اولا بدلا من طهران، وكان من اول نتائج هذا الانقلاب عودة القضية الفلسطينية الى موقع القضية الاولى في العالم، وبعد ان كانت اميركا تسعى جاهدة لاحتواء نفوذ ايران الإقليمي وضبط حدود توسعه، عبر مهادنة الحوثيين في اليمن، والتعايش مع الحشد الشعبي الولائي، من خلال حكومة السوداني في العراق، واستدامة التوازن في سورية، اندلعت مواجهات اميركية عسكرية مع كل اطراف المحور، واذرع الممانعة خاصة في العراق واليمن، وعلى الرغم من حرص اميركا وايران على استدامة خطوط تفاوض سرية خلال هذه الازمة، فان المفاوضات حول غزة لا تديرها ايران، ولا تشارك بها من موقع اصيل، بل ان كل مجريات الاتصالات الدولية، تجري وبمعرفة حركة “حماس” وقبولها عبر مصر وقطر اساسا، ويشارك بهذه المداولات اطراف عدة من تركيا الى السلطة الفلسطينية والاردن والسعودية، ولا يظهر الدور الايراني الا كظهير مساعد في اليمن ولبنان.
لا ينتهي مأزق “حزب الله” في انحشاره في الحيز الضيق، بين السقف العالي لمحمد الضيف ومتطلبات المواجهة، وسقف ايران المنخفض التوتر وسعي مرشدها لتفادي حرب شاملة، بل يمتد هذا المأزق الى الفضاء السياسي في لبنان، والى خطابه السياسي والاعلامي وعلاقته ببقية الاطراف السياسية والشرائح الاجتماعية، فخلال سنوات طويلة وصم “حزب الله”، كل خصم نافسه في اي ملف سياسي، سواء كان تشكيل حكومة او اختيار رئيس جمهورية، او قضية اجتماعية او انتخابات نقابية او بلدية او نيابية وصولا الى مواجهة في ندوة اعلامية، بتهمة جاهزة هي العمالة لإسرائيل، او الارتباط بتمويل من سفارات اجنبية غربية، نغمة التخوين هذه لم توفر احدا، لا احزاب سياسية ولا مرجعيات دينية، ولا شباب الانتفاضة المباركة في ١٧ تشرين، ولا نخب شيعية او شخصيات ديموقراطية…
وضعية الاستعلاء هذه واحتكار الاهلية لإصدار شهادات الوطنية كما اصدار افتراءات الاتهام بالعمالة قد اسقطتها الوقائع على الارض
إن وضعية الاستعلاء هذه واحتكار الاهلية لإصدار شهادات الوطنية، كما اصدار افتراءات الاتهام بالعمالة، قد اسقطتها الوقائع على الارض، ويبين نجاح اسرائيل في اغتيال اكثر من اربعين كادر وقيادي، في كل بنى محور الممانعة من الضاحية الى خراسان، مواقع الجواسيس اللصيقة وانتماءاتهم، ولعلها فرصة نادرة ل”حزب الله” ان يعترف ولو متأخرا، ان العملاء الحقيقيين لم يظهروا في صفوف من وجه الاتهامات لهم، ونال افتراءً من كراماتهم ووطنياتهم، بل الجواسيس هم بين ظهرانيه وفي هيكليات بنيته، وهذا الاعتراف هو الخطوة الاولى، لتقليل خسائر كوادره وحماية عناصره، والحفاظ على سلامة قياداته.

