يمكن اختصار موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اليوم في تأبينه لكوكبة من شهداء الجبهة الجنوبية المفتوحة مع العدو الصهيوني بأمرين :
الأول، إنه أبقى كل الخيارات العسكرية مفتوحة في الجبهة الجنوبية مع العدو، والتي بما فيها الحرب الشاملة التي استبعد في حديثه أن تكون بالضربة القاضية حسب تعبيره، بل أكد أنها ستكون بحساب النقاط بحسب ما ورد في ختام خطابه، مما يعني أن الصراع مستمر، وقد لا ينتهي في فترة وجيزة ، بل قد يطول بمدة لا يستطيع أحد التكهن بمقدارها ..
أما الثاني، فهو إن الحزب أو محور المقاومة، أعد العدة لمواجهة الأساطيل البحرية الأمريكية والأوروپية والإسرائيلية، الرابضة في البحر الأبيض المتوسط، وكلامه حول هذه النقطة يكتنفه الغموض ، فهو لم يوضح من سيتولى مهمة تحييد هذه الأساطيل، ولا كيف سيكون ذاك؟ واكتفى بعبارة : ” أعددنا لها عدتها ” ..
احتمالات الحرب
وعليه، فما زال الجدل قائماً في الشارع اللبناني، في موضوع احتمال دخول حزب الله والحلفاء في حرب شاملة، لكل قوى محور المقاومة مع العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، عملاً بنظرية ” توحيد الساحات ” التي كثر الحديث عنها في الأيام الأخيرة منذ انطلاقة معركة ” طوفان الأقصى ” في 7 أكتوبر الماضي ..
ورغم كون الحرب في لبنان ما تزال مفتوحة عملياً على الحدود الجنوبية منذ 8 أكتوبر الماضي، اليوم الذي تلا يوم انطلاق معركة طوفان الأقصى في فلسطين المحتلة، هذه الحرب التي نراها تتصاعد في كل يوم، والتي قيمها السيد نصر الله اليوم بحديثه، أنها دخول في الحرب عملياً، وإن كان ليس دخولاً في الحرب الشاملة المرتقبة والمتوقعة في أي لحظة، لو استمر العدوان الإسرائيلي على أهالي غزة ..
يأتي في طليعة الإعدادات التي ينبغي السعي لتأمينها قبل الدخول في حرب شاملة مع هذا العدو هو تأمين قوة ردع جوية قوية وقادرة للحد من حركة سلاح الجو الإسرائيلي
ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها العدو الصهيوني على الجبهة اللبنانية، من خلال تدمير منظومته الاستخباراتية والتجسسية على الحدود اللبنانية، بتدمير رادارات الكشف والمراقبة وأجهزة التتبع والتنصت النهارية والليلية، على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية، إلى جانب تدمير العشرات من آليات العدو من الدبابات والمدرعات وغيرها، وقتل العديد من جنوده من بينهم أحد الجنرالات وجرح آخرين، رغم كل ذلك يظهر أن حزب الله ما يزال يطمح للمزيد، باتجاه تنفيذ طموحه الكبير بعملية تحرير الجليل الموعودة، التي كان وما زال يخطط لها منذ تحرير عام 2000، وهي أحد السيناريوهات للخيارات المفتوحة التي تحدث عنها السيد نصر الله اليوم ..
كل ذلك يأتي في وسط توجه الجماهير والقواعد الشعبية في الشارع إلى نصر الله بالسؤال عن الإعداد الجيد للحرب الشاملة المرتقبة، قبل الدخول فيها هذه المرة، بسبب المتغيرات الكثيرة التي تفرض نفسها ، ومنها تواجد السفن الحربية الأمريكية والغربية وحاملات الطائرات الأمريكية في المياه المتوسطية ، ومنها تزويد أمريكا إسرائيل بسلة من الأسلحة النوعية لم تكن بيد العدو الصهيوني في الحروب السابقة ..
ويأتي في طليعة الإعدادات التي ينبغي السعي لتأمينها قبل الدخول في حرب شاملة مع هذا العدو هو تأمين قوة ردع جوية قوية وقادرة للحد من حركة سلاح الجو الإسرائيلي الذي يعتبر القدرة الأكثر إيذاءاً في كل حروب إسرائيل في المنطقة منذ قيام كيانها قبل 75 سنة، وسلاح الجو الصهيوني حالياً في الحرب الدائرة في منطقة غلاف غزة المحاصرة، هو السلاح الوحيد الذي ما زال يتحرك بحرية حتى الآن، بعدما ثبت فشل الدبابات والمدرعات المتطورة الصهيونية، في تحقيق أي نصر ومنها مدرعة النمر التي كانت تعتبر الأقوى في العالم، وقد تمكنت المقاومة الفلسطينية من تدميرها في المواجهات البرية عند حدود قطاع غزة، فقد تحولت الدبابات والمدرعات الإسرائيلية بأنواعها وبمختلف مسمياتها العسكرية إلى هدف سهل المنال، ببركة صواريخ الكورنيت الروسية وصواريخ الياسين الفلسطينية المحلية الصنع، وقد صرح متحدث باسم القوات البرية الصهيونية، أن الجنود الصهاينة صاروا يخشون ركوب الآليات العسكرية البرية والقطع الحربية البحرية، كونها تحولت إلى مقابر لهم بفعل هذه الصواريخ المضادة للدروع والطوربيدات المدمرة خلال العمليات العسكرية الفلسطينية الجارية على قدم وساق، وتطورت من الدفاع إلى الهجوم في اليومين الماضيين ..
هل ستتدخل ايران وروسيا؟
والسؤال الكبير والملح الذي يطرح نفسه اليوم بعد كلام السيد نصر الله، عن بقاء الخيارات مفتوحة باتجاه الحرب الشاملة: هل سيدخل الإيرانيون بصواريخهم الدقيقة والفعالة هذه المرة في الحرب الشاملة، فيدمروا المطارات العسكرية وقواعد سلاح الجو الصهيوني في المنطقة، أم سيكتفون بالخطب التشجيعية والبيانات الحماسية، ويتركون حزب الله وحيداً في ميدان النزال، وهم يتفرجون ويحصون عدد الشهداء والجرحى والمباني التي ستدمر في أي حرب شاملة مقبلة ؟
فما زال الجدل قائماً في الشارع اللبناني في موضوع احتمال دخول حزب الله والحلفاء في حرب شاملة لكل قوى محور المقاومة مع العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة
وفي عين الوقت، نرى أنه لا يجب أن يكون الاعتماد في تأمين التسليح بصواريخ الدفاعات ضد الطائرات الحربية على الوعود الشرقية، فالوعود الروسية خذلت في السابق الرئيس المصري جمال عبد الناصر، طبعاً مع الفارق لكون الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، قدم الكثير لمحور المقاومة، سيما تسليحه لها بصواريخ الكورنيت الفعالة ضد الدبابات والمدرعات والآليات، وسيما ما قدمه في الحرب على داعش وأخواتها، بتدمير سلاح الجو الروسي لمعسكراتهم ومستودعات الأسلحة والذخيرة التي كانت تحت أيديهم في سوريا ..
ولكن بالعودة إلى الوراء، وإلى تجربة العرب مع الشرق في سياسة التسليح سابقاً، فإن الاتحاد السوڤياتي السابق نصح جمال عبد الناصر قبل هزيمة 1967 أن لا يكون هو المبتدأ بالحرب ، فكانت النتيجة أن أغار الطيران الحربي الإسرائيلي الصهيوني، على المطارات العسكرية المصرية وقام بتدمير الطائرات الحربية المصرية، ومن هنا بدأت هزيمة 1967 يضاف إلى ذلك صفقة الأسلحة الفاسدة ، فكانت الصواريخ التي أعطيت لجمال عبد الناصر تعاني من أعطال ومشكلات تقنية، فكانت لا تنطلق من قواعدها !
والعجيب اليوم أن منظمة ” فاغنر ” الروسية التي هي منظمة يهودية تعرض اليوم – بحسب التسريبات الاستخباراتية الأميركية – على “حزب الله’ بيعه منظومة صواريخ مضادة للطائرات، فهل ستتكرر اليوم صفقة بيع الأسلحة الفاسدة لجمال عبد الناصر مع السيد حسن نصر الله؟

