مرت سبعة وعشرون عاما بالتمام والكمال ، على مجزرة قانا الأولى، التي ارتكبتها طائرات العدو الإسرائيلي، داخل مقر للكتيبة الفيجية العاملة ضمن اليونيفيل ، إبان عملية عناقيد الغضب في الثامن عشر من نيسان العام ١٩٩٦ . وأدت إلى استشهاد مئة وستة اشخاص غالبيتهم من الأطفال والأولاد والنساء وكبار السن.
وفيما الشهداء ، تسجل تواريخ استشهادهم وأحياء ذكراهم السنوية ، كواحدة من أدوات الإدانة للجريمة الاسرائيلية، يحيا الجرحى والناجون ، وكل من شاهد الجثث المتفحمة وشلالات الدماء، ومن بينهم الصحافيين وجنود الكتيبة الفيجية وعناصر أجهزة الإسعاف، على الصور والمشاهد العالقة في مخيلتهم ، والتي لم تطويها السنوات والعقود .
للجرحى والمصابين والمعوقين تحديدا ، ذاكرة مختلفة، تستوطن في كل حركة ، سواء المكان او الندوب المحفورة في اجسادهم وصور الشهداء المعلقة على جدران غرفهم ، في بلداتهم ( قانا ، صديقين ، رشكناني وجبال البطم )
فاطمة تروي
تصطحب فاطمة بلحص الاوجاع، وتحضر معها على الدوام ، تلك المجزرة بكل تفاصيلها وعناصرها ، برفقة جروحها الغائرة في جسدها.
توجهت فاطمة مع زوجها قاسم خليل وأولادهما الثلاثة ، حسن وحسين ومحمد وآخرين من اقاربهما ، من بلدة زوجها جبال البطم ، إلى مقر القوة الفيجية في قانا ، بعد اشتداد الغارات والقصف الاسرائيلي على المنطقة ، بين الحادي والثاني عشر من نيسان، ظنا منهم بأن راية الأمم المتحدة ، ستحميهم من مطاردة الطائرات الاسرائيلية .
الفرح بالنجاة، بعد الصول إلى مقر الأمم المتحدة ، تحول بعد اسبوع ، إلى جحيم ما بعده جحيم ، عندما امطرت الطائرات بصواريخها الدقيقة ( هنغارين ) تجمع داخلها اكثر من تسعماية فرد ، كانوا أتوا على عجل من صديقين ورشكناني وجبال البطم إلى جانب ابناء من قانا ، فقضى مئة وستة من بينهم ، وسقط مئات من الجرحى غصت بهم مشافي صور والجنوب ، وتسجيل اصابات عديدة في صفوف الكتيبة الفيجية ، التي لم ينقطع الكثير من افرادها عن زيارة مدافن شهداء المجزرة ، رغم انسحاب هذه الكتيبة من الجنوب، من باب الوفاء لهؤلاء الأفراد ، الذين عاشو سوية لاكثر من سبعة ايام .
كان “نصيب” فاطمة من هذه المجزرة استشهاد زوجها وأولادها الثلاثة، ومنهم صغيرها محمد ١٧ يوما ، الذي كان بين كلتي يديها ، اللتان اصيبتا بجروح بالغة ما تزال إلى اليوم.
يرافق الخوف فاطمة كلما سمعت أصداء قصف او طيران ، يعيدانها إلى ذلك اليوم المشؤوم
يرافق الخوف فاطمة ، كلما سمعت أصداء قصف او طيران ، يعيدانها إلى ذلك اليوم المشؤوم ، تواضب على زيارة الاضرحة في قانا ، علها تشتم رائحة من فقدت ، لا سيما زوجها وأولادها الثلاثة واكثر من ٣٣ فردا من أقاربها من ال بلحص في صديقين .
زينب تحيا مع المجزرة
تكبر زينب ، وتعد السنوات ، مع حلول كل ذكرى للمجزرة ، التي عرفت بمجزرة العصر . كانت زينب، لم تبلغ حينها الثالثة عشرة من العمر.
استشهد والداها وحوالي عشرين فردا من أقاربها، من ال اسماعيل – برجي ، فيما نجت ، وتعيش اليوم مع جروحها البليغة وألم الفراق، وتقلب صور احبتها ، وتحن إلى ابتساماتهم ، التي أطفأها العدوان الاسرائيلي ، معيدا الكرة ، في حرب تموز – اب العام ٢٠٠٦ ، منفذا مجزرة أخرى في نفس البلدة ( حي الخريبة) راح ضحيتها ثلاثين شخصا .
محمد جعفر .. يتذكر
التصق محمد جعفر ، بالنازحين إلى مقر القوة الفيجية ، وكان يتابع يومياتهم ، بحكم وظيفته كمترجم في هذا المقر ، يساعد في توزيع المساعدات والطعام والاغطية، ويتولى ترجمة ما يحتاجه النازحون الهاربون .
كان محمد في مكتبه المطل على سكن الهاربين، فتطايرات ناحيته أشلاء الشهداء
يتذكر محمد ان المقر الفيجي في قانا ، قد لجأ إليه ٩٣٥ شخصا من قرى قانا ، صديقين ، جبال البطم ورشكناني، تم جمعهم في هنغارين كبيرين ، داخل المقر ، الذي كان يضم ما يقارب ١٥٠ ضابطا وجنديا من الكتيبة الفيجية ، فكانوا مطمئنين، وبأنه لم يطالهم القصف والغارات.
في اللحظات الأولى للغارات ( قرابة لثانية ظهرا ) التي استهدفت الهنغارين بالصواريخ ، فحولتهما إلى كتل من النار ، كان محمد في مكتبه المطل على سكن الهاربين، فتطايرات ناحيته أشلاء الشهداء .
نجا محمد من المجزرة ، وبقي ليروي تفاصيلها ، مع الكثيرين
وقد نجا محمد من المجزرة ، وبقي ليروي تفاصيلها ، مع الكثيرين، وصلة وصل بين ابناء قانا والشهداء ، وجنود حفظة السلام الفيجيين ، الذين يقطعون الاف الكيلومترات من بلادهم إلى قانا لوضع اكليل من الزهر او تلاوة .
وليل أمس تحلق عوائل الشهداء والناجون ، حول الاضرحة ، وأضاؤوا الشموع ، بمشاركة فتية وفتيات من كشافة الرسالة الاسلامية ، والنائب علي خريس ورئيس واعضاء بلدية قانا وفعاليات.






