كلّما مررت بجسر ساحة ساسين في اتجاه اوتيل ديو، كنت أراه جالسًا ومعه الكثير من حاجياته على مقعد ولو تحت الشمس الحارقة وبدون قبعة، وكأن المقعد منزله.
الرجل يبدو فقيرًا وشعره غير مغتسل، يجلس مستقيمًا ناظرًا إلى الأمام دون أي انفعال. موقع المقعد هو تمامًا حيث رُفع منذ أشهر قليلة تمثال العذراء مريم.
أكثريّة سكّان الأشرفيّة على الأرجح أعجبهم ارتفاع تمثال العذراء مريم على الجسر، فالعذراء تباركهم وتحمي منطقتهم. لكن البعض لم تعجبه ضخامة التمثال كما موقعه، غير المتناسب مع حجمه الضخم لا بل المضخّم.
بالنسبة لي، وأنا لست من سكان الأشرفيّة، انشغل بالي على الرجل الذي كان يجلس على المقعد، والذي احتلّ مكانه تمثال العذراء مريم، وتساءلت ماذا حل بهذا الرجل الذي فقد مكانه المتبقي في هذه الدنيا، وقلت في نفسي ايهما يتطابق أكثر مع تعاليم يسوع، الحفاظ على مقعد الرجل الفقير والمستوحد، أم بناء تمثال من حجر لأمّه؟
فهل يحتاج سكان الأشرفيّة فعلًا إلى هذه التماثيل الضخمة للتعبير عن مسيحيتهم، وهل أن وجود مثل هذه التماثيل في شوارعهم يُدخل الطمأنينة إلى نفوسهم؟
اقرأ أيضاً: بين طموحات باسيل وضغوط «حزب الله»..«التيار» يتخبط!
فيما كنت انتظر أجوبة دينية عن أسئلتي، جاءتني من تركيبة المجتمع اللبناني، بعد أن مرّ شبان يركبون الدرّاجات في ساحة ساسين وهم يحتفلون بانتصار المغرب على البرتغال في المونديال، وقيل انهم كانوا يرفعون إعلامًا فلسطينية، وراحوا يهتفون “الله أكبر، الله اكبر”، مما أدّى إلى صدامات مع شباب المنطقة وتدخل القوى الامنيّة لفصل المتضاربين.
في البداية ظنّ أهل الأشرفيّة أن الدرّاجات آتية من الضاحية الجنوبية وأنها تحمل أعلامًا سوريّة وفلسطينية، حتى ان البعض قال انه رأى صورًا لبشّار الاسد، مما جعل بعض نواب الأشرفيّة يفتخرون بأنهم دحروا غزوة جديدة لـ”حزب الله”. لكن تبيّن بعد ذلك أن الأعلام كانت فقط فلسطينيّة، وأن الدراجات أتت من الطريق الجديدة وليس من الضاحية، وقد سارع اتباع “تيار المستقبل” للاحتجاج على ضرب راكبي الدراجات، مشدّدين على أن الأشرفيّة أرض لبنانيّة يحق لجميع اللبنانيين المرور في شوارعها، رافضين منطق الكانتونات.
كان من الممكن تفهّم راكبي الدراجات وعدم اعتبار ما قاموا به استفزازًا، لو أن سكّان الأشرفيّة ليست لديهم حساسيّة تجاه الفلسطينيين الذين تحاربوا معهم لسنوات بالتحالف مع المسلمين، ولكانوا استوعبوا أن حمل العلم الفلسطيني بمناسبة انتصار المغرب، هو تعبير عن انتصار العرب ككل، كون قضيّة فلسطين هي قضيّة العرب الأولى.
كان من الممكن أيضًا تفهّم صيحاتهم “الله اكبر، الله اكبر” التي يعبّر عادةً من خلالها المسلمون عن فرحتهم في الكثير من المناسبات وبدون خلفيّة استفزازيّة، لو انهم لم ينوجدوا في منطقة مسيحيّة صرف تعيش أجواء ميلاديّة وتزيّن شوارعها أشجار الميلاد، ويتزايد في أوساط ساكنيها لا سيما بعد انفجار المرفأ، الشعور بالخطر وبعدم الامان، في بلاد يتناقص فيها عدد المسيحيين بشكل متسارع، بالتوازي مع تراجع نفوذهم السياسي والاقتصادي والأمني. وقد سبقت هذه “الغزوة” غزوات أخرى في الأشرفيّة كما في عين الرمانة.
كان كل هذا ليبدو طبيعيًّا لو كنّا في بيروت واحدة وليس في بيروتات، لو كنّا في بلاد محت عار الإقتتال بين أبنائها من خلال بناء دولة المواطنة السيدة والمستقلة، التي تساوي بين مواطنيها امام القانون، وفي إطار من العدالة الإجتماعيّة.
جرى التساؤل في الإعلام ما إذا كان ما حصل في ساحة ساسين مُدبَّرٌ. في اعتقادي ان أخطر ما فيه انه غير مُدَبَّر، بل هو سلوك أصبح متأصِّلاً في الشعب ويهدِّد في كل لحظة بحرب أهليّة. ولأنه غير مُدَبَّر، وجب مواجهته بحزم من قبل القوى السياسيّة والسلطات، التي تعاملت معه كأنّه مُدَبَّر وواجهته بجهل وتشنّج، وربما بعضها فرح بحصوله.
كم بتّ أخاف ان ينتصر المغرب في النصف النهائي أو ان تكون كأس العالم من نصيبه. رغم أنني شخصيا، أتمنّى لو أستطيع ان أكون بين رفاقي في المغرب، مينا ووفاء وثريّا وسميّا ويونس وأنس وأحمد ومصطفى وغيرهن وغيرهم، نشاهد معًا المباريات نصف النهائيّة وربما النهائيّة، فيما نحتسي الشاي المغربي.
يخطر في بالي مجددا هذا الرجل الذي كان يجلس على المقعد، وكأنه قد فهم باكرا مصير بلاده، وفضّل ان يراقب الناس بلامبالاة كاملة وهم يمرّون مسرعين من أمامه، معتزلا العمل والمال والعائلة والطائفة والاختلاط والنظافة والوطنية.

