الحدث الأول هو الحرب الأوكرانية، التي أسفرت حتى الآن عن توحّد الجبهة الأوروبية الأميركية في وجه روسيا بوتين، الذي يتم استنزافه عسكرياً واقتصادياً، بما اصطلح على تسميته في الاعلام الغربي بـ”المستنقع الأوكراني”، وذلك بعد ان فضحت الحرب ضعف جيشه وترهّله، وعدم كفاءة جنرالاته، بما يذكر بالهزائم المتكررة التي تلقاها الاتحاد السوفياتي في افغانستان، واجبرته على الانسحاب نهاية الثمانينات من القرن الفائت.
طهران ستوقع الاتفاق النووي بما تيسّر من مكاسب ودون شرط إزالة جميع العقوبات كما كان يعلن مفاوضوها دائما
وايضا يذكّر بهزائم جيش القيصر الروسي نيكولا الثاني، في الحرب العالمية الأولى على جبهة أوروبا، التي أدت إلى انسحابه من الحرب قبل نهاتها، ما مهّد لثورة شعبية عارمة ضده، استغلها البلاشفة الشيوعيون ووثبوا إلى السلطة عام 1918، ثم عمدوا إلى خلع القيصر وإعدامه مع أسرته، لينتهي حكم آل رومانوف ويبدأ مجد دولة الاتحاد السوفياتي زعيمة المعسكر الشيوعي مقابل المعسكر الرأسمالي الغربي، الذي استمر 70 عاما، ليسقط نهاية الحرب الباردة دون قتال عام 1991، على يد المعسكر الغربي نتيجة تفوّق الأخير اقتصاديا وعلميا وحضاريا.
إقرأ أيضاً: «الثنائي» يُرهب القضاء جنوباً بعد فضيحة أنصار..والبقاع «يُعاقب» بالعتمة الشاملة!
ولا يبدو أن مصير الرئيس فلاديمير بوتين “قيصر روسيا” الحالي، كما يلقبه الإعلام الغربي ودولته القومية، أفضل بكثير في حال استمرت وتيرة حربه على أوكرانيا بهذا الشكل المأساوي، فقد استنزفت الخسائر البشرية والمادية جيشه الغازي بفترة قياسية، كما استنزفت رصيده الشعبي في بلاده وفي العالم أجمع الذي نبذه وتوحّد ضد هجومه الفاشل على دولة جارة أصغر من بلده بأضعاف، وتسببه بدمار مدنها وتشريد شعبها.
خسائر إيران النووية
الحدث الثاني فهو توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الكبرى، الذي تمكنت روسيا من وقفه إلى حين، ولكن مفاعيله تبدو وكأنها بدأت للتوّ مع بدء تغيير واقع حال إيران، وانفتاحها على الدول الغربية والاتحاد الأوروبي، رغم خسارات حليفها القوي في ميدان اوكرانيا، ومحاصرته بالعقوبات الاقتصادية، لتعلن طهران قرب توقيعها على الاتفاق النووي، بما تيسّر من مكاسب، ودون شرط إزالة جميع العقوبات، كما كان يعلن مفاوضوها دائما، اي توقيعه مع بقاء العقوبات، التي فرضتها عليها أميركا واوروبا في السنوات الماضية بسبب “دعمها للإرهاب”.
هذا الشِّح في المكاسب الايرانية، المرفق بقبول تخفيض تخصيب اليورانيوم إلى 3.50%، سوف يتم طمسه بدعايات ايرانية مضادة، مصحوبة بتظهير العديد من الانتصارات “المفترضة” على المحور العربي الخليجي “المفترض” أيضاً، لتغطية خسائرها السياسية التي تكبدتها في هذا الاتفاق.
وعلى ضوء هذه الخسائر الروسية والايرانية يبقى السؤال: هل بدأ النظام السوري بالقفز من سفينة الممانعة، التي اغرقها قبطانها بوتين في المستنقع الاوكراني كما أوحت به زيارة الرئيس الأسد إلى الإمارات، أم أنه أعجز من أن ينسحب حاليا؟ الأيام المقبلة سوف تكشف ذلك، مع العلم أن مراقبين يؤكدون أهمية زيارة بشار إلى الإمارات منتصف شهر اذار الحالي وبأنها كانت زيارة تاريخية لها ما بعدها، وهي لا تعني فقط العمل على اعادة سوريا الى الجامعة العربية، وانما ايضا العمل على سحب القوات الاجنبية من سوريا، وعلى راسها الحرس الثوري الايراني ومليشياته، وهذا ما اكده موقع Intelligence Online الفرنسي الإثنين 21 مارس/آذار 2022، فقد ذكر “ان الرئيس السوري بشار الأسد أرسل علي مملوك مؤخراً إلى طهران، للتفاوض على تقليل نفوذ الميليشيات الشيعية الخاضعة لسيطرة إيران”.
على ضوء الخسائر الروسية والايرانية يبقى السؤال، هل بدأ النظام السوري بالقفز من سفينة الممانعة التي اغرقها قبطانها بوتين في المستنقع الاوكراني
إذن، ثلاث انكسارات تضرب حاليا الدول الثلاث، التي يتشكل منها محور الممانعة: خسائر روسيا في أوكرانيا، خسائر ايران التي رضخت لاتفاق نووي يبقي العقوبات ويمنع التخصيب عالي المستوى، واخيرا انعطافة سوريا التي انصاعت للمحور العربي.
هي انكسارات بطعم الهزائم امام الاميركيين والغرب، سيكون لها اثرها البالغ لاحقا عندما يحين زمن التسويات.

