هي قصة مفاوضات الترسيم بين لبنان وإسرائيل الطويلة والتي لم تنتهِ فصولا. هي قصة معقدة اكثر من تعقيدات السياسة في لبنان.
هي صولات وجولات على مرّ الأعوام، بقيت في معظمها بعيدة عن الاعلام وتلفّها السرية التامة. وغالبا ما كانت الجولات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية تتوقف لسبب سياسي قبل ان تعود الى الواجهة مجددا، وإنْ لم تفضِ بعد الى نتيجة نهائية.
في هذا التقرير محاولة للاضاءة على ابرز محطات الترسيم، بالتواريخ وبالمفاصل الأساسية لكل محطة.
في العامين الأخيرين، حفظ اللبنانيون مشهد جولات المفاوضات الخمس التي جرت بين تشرين الأول 2020 وأيار 2021، على أساس “اتفاق الاطار” الذي كان تولاه رئيس مجلس النواب نبيه بري. الا ان قضية النزاع اللبناني – الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية قديمة وطويلة. وهنا السرد التاريخي.
اقرأ أيضاً: مع بدء المشاورات مع صندوق النقد الدولي: هل الخصخصة هي الحل الأمثل؟
2002 – 2020
بدأ لبنان بترسيم حدوده البحرية اعتبارًا من العام 2002 حين كلّفت الحكومة اللبنانية مركز “ساوثمسون” لعلوم البحار والمحيطات بالتعاون مع المكتب الهيدروغرافي البريطاني، إعداد دراسة لترسيم حدود مياه لبنان الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وواجه المركز صعوبات عدة في الترسيم بسبب عدم توافر خرائط بحرية دقيقة وواضحة لمنطقة جنوب لبنان وشمال اسرائيل، وبذا كان الترسيم غير دقيق.
عام 2006 عادت الحكومة الى تكليف المكتب الهيدروغرافي البريطاني إجراء دراسة جديدة لترسيم الحدود البحرية للدولة اللبنانية، وكانت هذه الدراسة عبارة عن تحديث لتلك التي سبقتها.
في 17 كانون الثاني 2007، وقّع لبنان مع قبرص اتفاقا حول تعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، بهدف توطيد علاقات حسن الجوار والتعاون في ما بينهما لاستثمار الثروات النفطية.
واستند هذا الاتفاق الى اتفاقات او معاهدات الأمم المتحدة لقانون البحار، وقد حددت المنطقة الخالصة بين لبنان وقبرص على أساس خط الوسط.
لكن قبرص عادت ووقعت اتفاقا آخر مع إسرائيل عام 2011 لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، متجاهلة ما تمّ الاتفاق عليه مع لبنان، ما أدى إلى خسارة الاخير مساحة مائية تزيد على 860 كلم2 من المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية التي تحتوي على كميات كبيرة من النفط والغاز.
عام 2012، قدّم الموفد الاميركي فريديريك هوف اقتراحاً لحل النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل، عبر تقاسم المنطقة المتنازع عليها، برسم خط عُرف في حينه بخط “هوف”، يعطي لبنان حوالى 500 كيلم مربع، وإسرائيل حوالى 360 كيلم مربعا من أصل كامل مساحة الـ 860 كيلم مربعا.
في حينه لم يوافق لبنان على الاقتراح باعتبار أن المساحة الكاملة (360 كيلم2) هي من حقّه، فعاد الجانب الأميركي واقترح أن يكون خط “هوف” موقتا وليس حدودا نهائية، إلا ان الجانب اللبناني رفض متخوفا تحوّله خطا دائما.
عام 2018 باشر لبنان التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحله، وفي 9 شباط من العام نفسه وقّع عقدا مع ائتلاف شركات دولية هي “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية و”نوفاتك” الروسية للتنقيب عن النفط والغاز في البلوكين 4 و9 في مياهه الإقليمية، علما ان البلوك الرقم 9 يقع ضمن المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل، فاعتبرت تل أبيب أنّ خطوة لبنان “استفزازية”.
في 16 شباط 2018، دخلت أميركا مجدداً وسيطا بين لبنان وإسرائيل عبر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد.
أعاد ساترفيلد اقتراحات “هوف” عام 2012 لرسم الحدود البحرية بين الطرفين، فعاد لبنان وجدد رفضه للامر. وفي حينه، دخل رئيس مجلس النواب نبيه بري على الخط علناً، واصدر بيانا اصر فيه على موقف لبنان لجهة ترسيم الحدود البحرية عبر اللجنة الثلاثية المنبثقة من “تفاهم نيسان” الشهير (عام 1996)، والتي تضم لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة.
في آذار 2019 زار وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بيروت والتقى رئيس الجمهورية ميشال عون وبري ورئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري، وناقشوا طويلا ملف الترسيم.
في أيار 2019، زار ساترفيلد لبنان مرتين في غضون أيام، والتقى الحريري وبري ووزير الخارجية آنذاك جبران باسيل، وأبلغهم قبل مغادرته بيروت إمكان إجراء مفاوضات غير مباشرة، تشمل الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل.
غادر ساترفيلد وتمّ تعيين ديفيد شنكر خلفاً له في أيلول 2019.
العام المفصلي: عام 2020 وتحديدا في تشرين الأول أعلن بري التوصل إلى “اتفاق إطار” لإطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود. وقال خلال مؤتمر صحافي ان “مفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل ستتم برعاية الأمم المتحدة مع تلازم بين البر والبحر”.
كان هذا الإعلان، الذي أتى على لسان بري، بمثابة اعلان لبناني رسمي لجولات جديدة من التفاوض.
جولات الـ2021 … توقفت؟
هكذا، بدأت جولات مفاوضات في تشرين الأول 2020، وهي بالطبع مفاوضات غير مباشرة برعاية الأمم المتحدة، وبوساطة أميركية. كان المكان موحدا في كل الجولات، في مقر بعثة الأمم المتحدة الموقتة “اليونيفيل” في منطقة الناقورة الحدودية.
14 تشرين الأول 2020، انعقدت الجولة الأولى .
28 تشرين الأول 2020، انعقدت الجولة الثانية، ووصفتها وزارة الخارجية الأميركية بأنها “مثمرة”، من دون إعطاء تفاضيل إضافية.
29 تشرين الأول 2020، انعقدت الجولة الثالثة.
11 تشرين الثاني 2020، انعقدت الجولة الرابعة، واختتمت بالاتفاق على عقد جلسة خامسة مطلع كانون الأول 2020.
الا ان هذه الجولة لم تنعقد وطالبت إسرائيل يومها بتأجيلها.
ومعلوم انه خلال كل هذه الجولات، بقيت الملفات العالقة هي نفسها. ان مساحة المنطقة المتنازع عليها هي 860 كيلم مربعا، وفق الخرائط الموجودة لدى الأمم المتحدة، الا ان الوفد اللبناني المفاوض يصرّ على ان المساحة المتنازع عليها هي 2290 كيلم مربعا.
في الجانب الإسرائيلي، اتهم وزير الطاقة يوفال شتاينتس لبنان “بتغيير موقفه 7 مرات، متخذا مواقف ترقى إلى الاستفزاز”.
وفي الجانب اللبناني، كان ثمة تأكيد على حق لبنان في ترسيم الحدود وفي كل نقطة مياه، وفقا لقانون البحار المتعارف عليه دوليا.
نحو ستة اشهر، بقيت المفاوضات عالقة… حتى 4 أيار 2021… يومها، اعيد اطلاق المفاوضات وسط السرية عينها.
هناك في غرف مغلقة داخل مقر للكتيبة الإيطالية العاملة ضمن “اليونيفيل”، استمرت المحادثات نحو خمس ساعات في حضور الوسيط الأميركي وممثل عن الأمم المتحدة.
اما في التحليلات والتفسيرات السياسية، فقد اعتبر مراقبون ان العودة الى المفاوضات مهّد لها امتناع الرئيس عون عن توقيع المرسوم 6433 المتعلق بتعديل ترسيم الحدود البحرية. وعزا عون الأمر إلى ضرورة إقراره من حكومة تصريف أعمال، نظراً الى اهميته والنتائج المترتبة عليه، الا ان المحللين وضعوا هذه الخطوة في إطار إفساح عون المجال امام واشنطن لاعادة اطلاق المفاوضات.
بالطبع لا يمكن فصل هذا الملف عن السياق الإقليمي – الدولي، اذ ان الإدارة الأميركية الجديدة ربما وجدت ان الوقت ملائم لاعادة التفاوض غير المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهي التي تخوض نشاطا ديبلوماسيا دوليا واسعا من محادثات فيينا والملف النووي الإيراني، الى ملفات ساخنة أخرى كأفغانستان واليمن، وبالتالي يأتي ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل من ضمن هذا النشاط. وهذا ربما يفسر دوليا إعادة اطلاق المفاوضات.
في المقابل، يرى محللون أن العامل الآخر الذي أعاد اطلاق المفاوضات يتعلق باستعجال إسرائيل البدء بحفر آبار النفط في البلوك الرقم 9 الواقع قرب حدودها مع لبنان، وان امتناع لبنان عن توقيع المرسوم 6433 ساعد واشنطن في إعادة السير بالمحادثات.
هي قصة مفاوضات لم تكتمل بعد… فأي نهاية ستُكتب لهذا الملف الشائك، في بلد ضاقت به المشاكل وانعدمت فيه الحلول؟!

