قرر الشاب عامر ياغي (23 عاما) أن ينهي حياته اليوم، طالباً السماح من والده برسالة كتبها بيد مهزوزة وخط متعرج، بعدما رمى نفسه من على الطبقة السابعة، ليفارق الحياة إثر ارتطام رأسه بالأرض.
عامر الذي وضع حدا لحياته، ولد في بلدة طير حرفا الجنوبية، وكان يسكن مع عائلته في المنطقة المتاخمة لمدينة صور عند مفترق معركة – العباسية، والتي تحتوي على عدد من المجمعات السكنية التي تعيش فيها عائلات من خارج مدينة صور، نزحت من البلدات الجنوبية الداخلية والحدودية.
إقرأ أيضاً: خاص «جنوبية»: ابن الـ٢٣ عاماً يفجع الجنوب بوفاته.. والعثور على رسالة مؤلمة في جيبه!
والمعروف ان البصّ، والمساكن، ومجمعات مفرق العباسية تشكّل احزمة الفقر التي تحيط بمدينة صور، يعيش اهلها متكلين على العمالة في البساتين الساحلية بين صيدا وصور، ويدفعون اطفالهم للعمل مبكرا في كراجات تصليح السيارات والمخارط بالمنطقة الصناعية، الممتدة من عشوائيات المساكن والبص وحتى بلدة برج الشمالي ومخيمها، حيث يندمج الفقر والحرمان اللبناني مع التهجير الفلسطيني العتيق.
واذا كان من الصحيح ان احزمة الفقر هي مرتع لعدد من العصابات وشذاذ الافاق وترتكب فيها جرائم، الا انه من الظلم تحميلها عبء ما يجري من مآس، خصوصا وانه سبق جريمة انتحار عامر، صدور احصاء تناقلته وسائل اعلام لبنانية مفاده ان “شخصاً واحداً على الأقل يُقدم على الانتحار في لبنان كل 48 ساعة”.
ولعلّ كلام عامر “الموت مرّة واحدة أفضل من الموت كل العمر” والذي بدا وكأنه خطه بدمه قبل انتحاره، هو ابلغ تعبير عن الحالة النفسية المدمرة، التي وصل اليها شباب اليوم في السنتين الأخيرتين. فقد انقلبت حياة اللبنانيين رأساً على عقب مع تفاقم الازمة الاقتصادية الاجتماعية بسبب انهيار العملة وتدني الرواتب، فأدّت إلى إفقار غالبية سكانه وجعلتهم أمام تحدّي تأمين الغذاء والدواء، في ظل انسداد سياسي واقتصادي أحبط جيل كامل من الشباب وحطم طموحاتهم، حتى اصبح حلمهم الهجرة، اكان بشكل شرعي ام غير شرعي، للهروب من الامر الواقع، هذا الاحباط زاد عقب فشل التحركات الشعبية المظاهرات والاعتصامات في احداث التغيير المنشود، وارتدّ سلبا على الصحة النفسية للبنانيين من كل الأعمار، ووضعهم امام خطر تفشي اخطر مرض نفسي يواجهه البشر في العصر الحديث، وهو مرض الكآبة الذي يفضي الى الانتحار.
لقد “نجح” عامر بما سعى اليه، ومات مرّة واحدة كي يرتاح..ليترك باقي اللبنانيين يتعذبون ويموتون كل العمر، على يد النظام الفاسد كما تنبأ برسالته.

