حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: ايران «تلعب» تحت طاولة المفاوضات!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

بالتزامن مع الزيارة التي قام بها مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي الى طهران، والاجتماع مع رئيس وكالة الطااقة الذرية الايرانية محمد اسلامي، اعلن وزير الخارجية حسين عبداللهيان، عن اعفاء عباس عراقتشي من منصبه كمعاون سياسي، وتعيين علي باقري كني مكانه.

اقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: عبداللهيان والرهان.. على «العودة النووية»!

 اي في مقابل الليونة التي سادت الموقف الايراني، في المباحثات بين غروسي واسلامي، حول آليات استمرار عمليات المراقبة عن بعد، للمنشآت والانشطة النووية الايرانية، طبقا لمعاهدة الحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل، جاء الرد على هذه الليونة من الخارجية، بالذهاب الى خيار التشدد في اختيار المعاون السياسي، الذي من المفترض ان يحتل موقع كبير المفاوضيين، في حال تم التوافق، على العودة الى طاولة التفاوض في فيينا، لاعادة احياء الاتفاق النووي. 

مقابل الليونة التي سادت الموقف الايراني في المباحثات بين غروسي واسلامي جاء الرد من الخارجية بالذهاب الى خيار التشدد في اختيار المعاون السياسي

طهران التي قدمت تنازلات بالموافقة على تمديد الاتفاق، الذي سبق ان ابرمه وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، مع غروسي في طهران مطلع العام الحالي، كانت محكومة بالعصا التي رفعتها الترويكا الاوروبية والولايات المتحدة، والتلويح باصدار قرار عن الجمعية العامة للوكالة في اجتماعها المقبل، بادانة ايران بانتهاك المعاهدات الدولية، ومنع المفتشين من مراقبة الانشطة الايرانية، والعمل على امتلاك قدرات نووية عسكرية، وما يعنيه ذلك من حتمية عودة الملف الايراني الى مجلس الامن الدولي، وامكانية ان يلجأ هذا المجلس لتفعيل آلية الزناد، واعادة جميع العقوبات الاقتصادية، بناء على الشروط التي تضمنها القرار المجلس رقم 2231، بحيث يصبح الطريق مفتوحا لادراج ايران تحت الفصل السابع، وهنا يصبح ما تحدث عنه وزير الدفاع الاسرائيلي بيلي غانتس، عن ضغوط تمارسها تل ابيب على واشنطن، لوضع خيار العمل العسكري ضد ايران في حال فشل المفاوضات النووي، مقابل ان تقبل تل ابيب باتفاق فيينا لعام 2015 مع تعديلاته.

طهران التي قدمت تنازلات بالموافقة على تمديد الاتفاق كانت محكومة بالعصا التي رفعتها الترويكا الاوروبية والولايات المتحدة

كلام غانتس عن اتفاق “ملحق” على اتفاق فيينا، اكدته الاشارة الامريكية المدعومة اوروبيا، بامكانية ان تلجأ واشنطن لاصدار قرار بالغاء العقوبات، التي لا تنسجم مع الاتفاق النووي الموقع، والذي يبدو انه السقف الذي يمكن ان تحصل عليه طهران، من مفاوضات اعادة احياء اتفاق فيينا. وهو ما يمثل النتيجة التي انتهت اليها الجولات الست، التي قادها عراقتشي قبل الانتخابات الرئاسية الايرانية، وكان من المفترض ان يحصل من القيادة العليا للنظام، على موافقتها لعقد جولة سابعة تكون الحاسمة.

حالة الارباك في اتخاذ القرار لدى الايرانيين، ظهرت في اسلوب التعامل مع نتائج الجولة السادسة، التي تحولت محط نقاش في المجلس الاعلى للامن القومي، المكلف تطبيق السياسات العليا والاسراتيجية للمرشد الاعلى، الذي اصبح الممسك بزمام الامور، في الاشهر الاخيرة من عمر حكومة الرئيس السابق حسن روحاني، في اطار ما يشبه كف يده ويد وزير خارجيته عن ملف المفاوضات، وما يمكن ان يحققه من نتائج، من المفترض ان تسجل باسم الرئيس الجديد. الا ان اللافت في هذه المناقشات كانت مشاركة “باقري كني”، كممثل عن الرئيس الجديد، الذي اعلن ان ما يحمله عراقتشي لا يتوافق مع نص القانون الذي اقره البرلمان، حول استراتيجية الغاء العقوبات والدفاع عن مصالح ايران الاستراتيجية، ما وضع المفاوضات ومعها عراقتشي على رف الانتظار. 

حالة الارباك في اتخاذ القرار لدى الايرانيين ظهرت في اسلوب التعامل مع نتائج الجولة السادسة التي تحولت محط نقاش في المجلس الاعلى للامن القومي

رئيسي الذي يدرك تماما بان العودة الى التفاوض والتفاهم، مع الولايات المتحدة على رفع العقوبات، هو الحصان الذي يضمن له السبق في تحقيق النتائج، التي تؤسس لتكريسه “منقذا” لايران وشعبها، من الازمات الاقتصادية والمعيشية التي يرزح تحتها نتيجة العقوبات، والسياسات الفاشلة لادارة روحاني في ايجاد حلول للوضع الاقتصادي، الذي اوصل ايران الى حافة الانهيار. الا انه ايضا يدرك، ان اي خطوة غير مدروسة، وتتعارض مع رؤية المرشد الاعلى والدولة العميقة، قد تطيح بطموحاته لما بعد الرئاسة، وان المسافة التي قطعها باتجاه ان يكون احد ابرز الخيارات، لخلافة المرشد في موقع القيادة، قد تتحول الى طريق مليئة بالحفر والعوائق والسدود وتمنع وصوله، ما دفعه لاعتماد خطاب حذر وموارب، اخذ في جزء منه رغبة المرشد، في التأكيد على ضرورة رفع العقوبات، وفي الجزء الاخر البحث عن مخارج للعودة الى التفاوض، كخيار لا بد منه لترجمة الشعارات والمشاريع، التي رفعها في معركته الانتخابية، والتي تساعد في صناعة قاعدة شعبية داعمة في المستقبل. 

اذا ما رست خيارات حكومة رئيسي ووزير خارجيته، على تكليف باقري كني بتولي مسؤولية التفاوض بدلا عن عراقتشي، يعني العودة الى الادبيات المتشددة، التي سادت في مرحلة تولي سعيد جليلي ملف المفاوضات، عندما كان امينا للمجلس الاعلى للامن القومي، لكون باقري كني كان مساعدا، له ومشاركا في كل الجلسات التي شارك فيها الامريكيون، بعد عام 2009 والتي بدأت مع وليم بيرنز.

الاشارات التي تبعثها طهران الى الاطراف الدولية المعنية تحمل على الاعتقاد بحرصها على عدم التفريط بالاتفاق النووي

وخيار تكليف باقري كني يعني ان الجانب الامريكي، الذي يعرفه ويعرف ادبياته في التفاوض، سيعود لسماع لغة ايرانية متشددة، قد تحمل في طياتها، امكانية لتعاون واسع دون تنازلات مؤلمة كبيرة، واما ان تدفع بالامور الى حائط مسدود، تطيح بكل الرهانات لانهاء هذا الملف، وبالتالي تعيد فتح الخيارات امام واشنطن للتعامل مع نتائج وتداعيات اي من الخيارين. 

الاشارات التي تبعثها طهران، الى الاطراف الدولية المعنية في العديد من الملفات الاقليمية، تحمل على الاعتقاد بحرصها على عدم التفريط بالاتفاق النووي، وانها على استعداد لابداء الليونة المطلوبة، للتوصل الى مخرج لعقدة المفاوضات، وبالتالي فانها لن تسمح للمفاوض الجديد، اذا ما كلف بهذه المهمة، ان يطيح بما تحقق على هذا المسار. ولن يكون هذا المفاوض قادرا على الذهاب الى خيارات، تتعارض مع خيارات النظام والمرشد الاعلى، وبالتالي فانه سيكون مجبرا وملزما بتطبيق السياسات التي ترسمها الدوائر المعنية بالقرار، وهي ضرورة التفاوض والتوصل الى تفاهمات، تعيد احياء الاتفاق وتلغي العقوبات، حتى وان كانت بالحد الذي سبق التفاهم عليه. 

السابق
جدول جديد لأسعار المحروقات.. الدولار على سعر المنصة!
التالي
جلسة الثقة الاثنين.. اليكم البيان الوزاري لحكومة «معاً للانقاذ»