ما بعد بعد شويا!

حزب الله


منذ ان كفّتْ  المقاومة عن ان تكون فعلا وطنيا جامعا، سنظل نسمع الكثير عن عينات من الاعتراضات الشعبية، سرا وعلانية، وذلك بعد كل عملية قصف متبادل على الجدود الجنوبية للبنان، وسنرى أيضا مثل ما حدث في بلدة” شويا” وربما اكثر. فالمقاومات في كل زمان ومكان، ليست حكرا على احد، وليست ملكا لطائفة ام حزب، او حتى ملكا للسلطة. المقاومة باختصار رد فعل طبيعي، تجاه الجيوش التي تحتل الارض، ولا يمكن لمقاومة ما ان تدعي فعل الحماية، فالمقاومة تحرر، اما الدولة فتحمي. الدولة تحمي بسيادتها، بعلاقاتها الدولية وسياستها الخارجية، ونشاط ودبلوماسيتها في دول القرار، وقواها العسكرية الذاتية، وكل ذلك تحت سقف المصلحة الوطنية، فضلا عن تبني الشرعية الدولية التي تمنع، على الأقل، ان يسود هذا العالم الى شريعة غاب عالمية. انه تأثير القانون الدولي، الذي لا يمكن التقليل من أهميته تحت أي ظرف من الظروف.

اقرا ايضاً: «حزب الله» و«توازن الرعب» مع لبنان.. قبل إسرائيل!

القرار الدولي ( 425) كان لصالح لبنان ولصالح اهل الجنوب، حتى ولو تأخر تنفيذه، فان الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في العام 2000 قد تم وفقا لمندرجاته، وان الأطراف جميعا قد التزمت به لترتيب الانسحاب. وهناك فئة في لبنان تمسكت بالشرعية الدولية، وهي كانت محقة بذلك، وفئة قد خونت ذلك، ورفضت وجود قوات اليونيفيل في الجنوب، “كونها تخدم المصلحة الإسرائيلية”، بحسب زعمها، وهذا ما كذبته الاحداث، التي اثبتت ان وجود القوات الدولية في الجنوب، كان بحده الأدنى، مفيدا لناحية تثبيت الحق اللبناني في المحافل الدولية، وانه حق لا يموت مهما طال الزمن.

القرار الدولي ( 425) كان لصالح لبنان ولصالح اهل الجنوب، حتى ولو تأخر تنفيذه

وثمة من يحاول ان يفرض اليوم، رؤيته الوحيدة لمعنى المقاومة ودورها، التي تحولت الى أداة بيد حزب معروف، بارتباطاته الخارجية التي تسلبه حرية اختيار ، وسياده قراره. فهذا في صلب عقيدته(ولاية الفقيه)، فهو دون خوف او وجل، يدعي الولاء المطلق لإيران، صاحبة المشروع التوسعي على حساب كل ما هو عربي. وقد يكون معروفا او قد لا يكون معروفا، ان ما يحدث في الجنوب اللبناني بين الفينة والأخرى، من قصف متبادل بين إسرائيل و”حزب الله”، لا يمكن فصله عما يجري في الإقليم من صراعات نفوذ، بحيث يستعمل كل طرف ما بحوزته من أوراق، والجنوب هذا قد تحول الى ورقة امنية-سياسية، توضع على الطاولة عند كل مناسبة تفاوضية او عسكرية.  فكل الوسائل متاحة في لعبة الأمم تلك.

الجنوب قد تحول الى ورقة امنية-سياسية، توضع على الطاولة عند كل مناسبة تفاوضية او عسكرية

وما يقوم به “حزب الله”، ليس محل توافقات او اجماعات،  من قبل الشعب اللبناني. ومعنى الاجماع في هذا السياق هو شديد الأهمية، ولا يمكن ان تتم مثل تلك الردود العسكرية، او التهديد بدخول حرب مدمرة، وفرض نتائجها على الجميع، في الوقت يتم التفرد فيه بقرار الحرب، وذلك بخلاف ما ينص عليه الدستور اللبناني، الذي اناط بمجلس الوزراء وبغالبية الثلثين، اعلان الحرب او السلم بعد تصويت في حال عدم التوافق. ومطلب الاجماع ليس بالجديد، لا بل كل الصراعات التاريخية في خضم تطوير الديمقراطية وحكم الشعب، قد قامت حوله وحول تعريفه وتجديد مضمامينه، وخير من قام بتحديده هو البرلمان في إنجلترا سنة 1295، بحيث قال:” ان ما يمس الجميع ينبغي ان يكون موضع موافقة الجميع”.

بقدر ما اعادت حادثة قرية ” شويا” تركيب المشهد السياسي فإنها قد اعادت بالقدر نفسه تفكيك مقولة جيش، شعب، ومقاومة،

فما غير موضوع اعلان الحرب والسلم يمس الجميع؟! لا بل ويمس اكثر من ذلك، انه يمس سيادة الدولة ومصالح الشعب العليا، التي لا يمكن اخضاعها لرؤية فريق معين، ولقراءة سياسية لم تقرْ في أي مؤسسة دستورية. وما يرد في البيانات الوزارية من تشريع فعل المقاومة، في اطار الدفاع عن النفس، لكن لا يمكن اعتبار ذلك رخصة في الذهاب نحو الحرب، دون إقرار ذلك في مجلس الوزراء وبغالبية الثلثين، وتحت رقابة البرلمان. فتلك البيانات ليست شيكا على بياض لشن حروب، هذا اذا افترضنا ان المقاومة تقتصر على حزب بعينه.

بقدر ما اعادت حادثة قرية ” شويا” تركيب المشهد السياسي، فإنها قد اعادت، بالقدر نفسه، تفكيك مقولة جيش، شعب، ومقاومة، كمقولة  تعجز عن التعبير الجدي عن مصلحة الشعب اللبناني، الذي يعيش الازمات الاقتصادية الخانقة، التي وضعته في مصاف الشعوب الفقيرة المحتاجة لمساعدات دولية. فكيف يمكن ان يقبل الأهالي بعمليات قصف، كناية عن عمليات “اضرب واهرب”، ليترك بعدها المواطن عرضة لقصف اجرامي تدميري. انه رد فعل طبيعي ذو طابع دفاعي. فمن الذي يقبل ان يُقتل مرتين؟.. 

السابق
ارتفاع جديد بأسعار المحروقات.. الصفيحة لامست الـ 80 ألفا!
التالي
خبر سار من وزير الصحة.. حملة «فايزر» لتغطية فئة عمرية جديدة