قبل أكثر من سنتين كتبنا في ” جنوبية ” مقالاً بعنوان ” إنها معركة القضاء على الطائف”، إستوحيناه يومها من ممارسات العهد ومقاربته لطريقة تشكيل أول حكومة بعد الإنتخابات النيابية، والتي كان يعتبرها أولى حكوماته بإعتبار أن حكومة سعد الحريري الأولى كانت حكومة التهيئة لإنطلاق العهد عبر ” إنجاز ” قانون الإنتخاب الذي فُصِّل يومها على مقاس ” الوريث “، بموافقة ومباركة سعد الحريري، الذي كان قد أبرم ما سمي يومها بالتسوية الرئاسية بينه وبين التيار الوطني الحر بقيادة الوريث نفسه ” صديقه ” جبران باسيل، والتي كان من نتيجتها كما بات معروفا الإتيان بميشال عون رئيساً للجمهورية .
يومها كانت الممارسات والمقاربة توحي بأن المعركة ضد إتفاق الطائف قد بدأت خاصة وأن تيار الرئيس وولي عهده جبران باسيل قد خرج من الإنتخابات منتصرا و ” مدججا ” بأكبر كتلة نيابية في البرلمان ، ومدعوماً من حليفه و ” ولي نعمته ” السياسية حزب الله الذي يلتقي معه على العداء للطائف منذ إقراره العام 1989، وإن كان هذا العداء خضع لما يشبه ” التقية السياسية ” نظرا للظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بهذا الإتفاق يومها .
إقرأ أيضاً: «المتاريس»ترتفع بين بعبدا وبيت الوسط.. و«الإشتباكات الكلامية» تطيح بالحكومة!
هذا الإنتصار النيابي كان له مفعول ” السُكر ” في رأس جبران باسيل ما جعله ينقلب على شريكيه في التسوية الرئاسية تيار المستقبل والقوات اللبنانية بدافع من فائض القوة التي شعر بها، علاوة على ما تنطوي عليه شخصيته من غدر ومكر ، الأمر الذي مهد لوصول الوضع إلى ما هو عليه اليوم من إحتقان وتنازع وشلل .
خطة الإنقلاب على إتفاق الطائف قد وضعت موضع التنفيذ خاصة وأن العهد بات على ” قاب سنتين ” أو أدنى من نهايته
اليوم وبعد كل ما حصل ويحصل منذ بيان رئيس الجمهورية عشية تكليف سعد الحريري بتأليف الحكومة الجديدة الذي كان واضحا في رفضه لهذا التكليف ، إلى التعثر في تشكيل الحكومة رغم زيارات الحريري الـ 13 لبعبدا، بسبب مقاربة عون وفريقه لطريقة تشكيلها عبر التعدي على صلاحيات الرئيس المكلف ومحاولة مشاركته التشكيل عبر التقدم بطروحات مضادة لطروحاته، إلى تسريب الفيديو الشهير الذي يتهم فيه رئيس الجمهورية الرئيس المكلف بالكذب في سابقة مشينة وخطيرة، كل هذا يوحي بأن خطة الإنقلاب على إتفاق الطائف قد وضعت موضع التنفيذ خاصة وأن العهد بات على ” قاب سنتين ” أو أدنى من نهايته، وهو يحاول بذلك أن يكون له دور في صناعة الرئيس المقبل عبر الحديث عن التمديد، كي يصل ربما إلى تثبيت ” ولي عهده ” باسيل الذي باتت حظوظه أكثر صعوبة، بسبب من علاقاته الداخلية السيئة مع غالبية القوى السياسية ، فضلاً عن العقوبات الأميركية التي فرضت عليه وضعف علاقاته الدولية بإستثناء ربما محور الممانعة .
الإنقلاب على الطائف!
وما يدعم هذا الإعتقاد بأن تنفيذ الإنقلاب على الطائف قد يكون بدأ عملياً ، هو ما ظهر مؤخراً من ممارسات توحي ببداية الإنقضاض على المؤسسات الدستورية، عبر شلها وتحييدها لصالح وحدانية القرار بيد الرئيس وفريقه السياسي، وكأن هناك محاولة للعودة بالبلد إلى ما قبل العام 1975، ولكن هذه المرة ليس لصالح المارونية السياسية بل لمصلحة العونية السياسية، التي لا ترى غيرها سواء على الساحة المسيحية أو الوطنية وهو ما يتجلى بوضوح في الحديث عن التمديد.
محاولة إنقلاب على السلطة الثانية في البلد عبر الإلتفاف على الإستشارات النيابية الملزمة
وتجلت هذه الممارسات في حدثين أولهما أن العهد وتزامناً مع عرقلة تشكيل الحكومة وعدم إجتماع الحكومة المستقيلة أو تعويمها، لجأ إلى إجتماعات المجلس الأعلى للدفاع برئاسته، الذي بات يُسيِّر أمور الدولة ليبدو الأمر وكأننا أمام حكومة عسكرية ” مقنَّعة ” وهي حكومات عزيزة على قلب الرئيس – الجنرال كما يبدو، وهو بذلك يكون وكأنه إنقلب على السلطة الثالثة وأمسك ناصيتها بيده – مع الحفاظ على بعض الأمور الشكلية طبعاً – وثانيهما وهو الأخطر ، هو ما سُرِّب مؤخراً بأن الرئيس عون قالها صريحة للبطريرك بشارة الراعي بأنه لا يريد سعد الحريري لرئاسة الحكومة، وهو ما يشكل محاولة إنقلاب على السلطة الثانية في البلد عبر الإلتفاف على الإستشارات النيابية الملزمة التي كلفت سعد الحريري بتشكيل الحكومة، وهو تطور خطير لا يمكن – إذا ما تأكد – أن يمر مرور الكرام مع وجود شخصية كالرئيس نبيه بري في سدة الرئاسة الثانية وهو المعروف بحرصه الشديد على صلاحياته والمتمسك بدور المجلس النيابي بإعتباره ” ملعبه ” السياسي.
كل هذه التطورات تذكرنا بما حصل من تعطيل لإنتخاب رئيس جديد للجمهورية عام 1988، بعد إنتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وتسلم العماد عون يومها رئاسة الحكومة العسكرية، ليحصر سلطات البلد كلها بيده وكان ما كان من أثمان غالية دفعها لبنان من جراء تلك المغامرات، فإذا كان ” الجنرال ” عون قد دخل قصر بعبدا رئسياً لحكومة عسكرية مؤقتة وفعل ما فعل يومها ولم يخرج سوى بالقوة، فكيف بالحري اليوم وهو ” الرئيس ” عون المنتخب بغض النظر عن إختلاف الظروف بين الحالتين.
موقف “حزب الله”
يبقى أن نعرف موقف حليفه حزب الله من هذه التطورات في هذه الظروف الدولية بعد تنصيب جو بايدن في أميركا، والمحاولات الجارية لإعادة إحياء الإتفاق النووي مع إيران، وهي محاولات لا زالت في بداياتها طبعا ومن غير المنتظر أن تتبلور قريبا أقله حتى يستكمل جو بايدن تشكيل فريقه، وهي فترة قد تشهد بعض التطورات والضغوطات المحسوبة في المنطقة لجس النبض وملء الفراغ بإنتظار الحسم سلماً أو حرباً، وهو ما بدأ يظهر جلياً في العراق واليمن وسوريا خاصة مع التهديدات الإسرائيلية المتجددة، على لسان رئيس الأركان الذي أعلن أنه يجب أن يكون لإسرائيل دور ورأي في الإتفاق النووي في حال إعادة التفاوض حوله، فهل يكون هذا المسار في لبنان من ضمن هذه الضغوطات كما حصل في العام 1990، عندما كان الجنرال ميشال عون وحكومته جزءاً من الصراع في المنطقة عبر تبنيه سياسياً يومها من قبل نظام صدام حسين ، فكان أن دفع ثمن التحالف الدولي لتحرير الكويت وقُدِّم لقمة سائغة للنظام السوري الذي عُهد إليه بالوصاية على لبنان وكان ما كان ؟
هل تحصل التسوية على الإتفاق النووي ويكون ميشال عون وفريقه أحد الأثمان مقابل بعض الإمتيازات للحزب في الداخل؟
وهل يعيد التاريخ نفسه وتحصل التسوية على الإتفاق النووي – وهي حاصلة لا محالة برأيي – ويكون ميشال عون وفريقه أحد الأثمان التي تدفع على مائدة المفاوضات، مقابل بعض الإمتيازات للحزب في الداخل تعويضاً له عن عودته من الخارج، وقد تكون في بعض التعديلات على إتفاق الطائف بموافقة عربية، كأن يتم تبادل المواقع بين الشيعة والسنة على الطريقة العراقية بحيث تسند رئاسة الحكومة مثلاً للشيعة ورئاسة مجلس النواب للسنة، وتكون بديلاً عن المثالثة التي طرحت لأول مرة بين الفرنسيين والإيرانيين إبان مؤتمر سان كلو في فرنسا العام 2007، خاصة إذا ما ترافقت العودة للإتفاق النووي مع ترتيبات في المنطقة في ضوء التطبيع العربي الواسع مع إسرائيل؟
أم أن الوضع سيتطور نحو الأسوأ ويدفع لبنان الثمن كالعادة، نتيجة مغامرات البعض فيه بدافع جنون العظمة من جهة أو الإرتباط بمشاريع خارجية من جهة أخرى تجعل منه رهينة التطورات وهو – أي لبنان – بات على شفير الموت، نتيجة نقص المناعة الوطنية عند أكثرية من يتولون المسؤولية فيه وعنه، دون أن يرف لهم جفن ، أو يردعهم وازع من ضمير .
كل الإحتمالات واردة وفي الإنتظار يبقى شعب لبنان معلقاً على خشبة تتقاذفه رياح المطامع والمصالح، وما هذا الذي يحدث في طرابلس هذه الأيام من ثورة ” الأمعاء الخاوية ” نتيجة كل هذا المسار والسياسات الخاطئة على مدى سنوات ، إلا دليل على ما نقول ، وقد يكون البداية لما هو أعظم . حمى الله لبنان من عبث العابثين .

