تحمل الأغنية الوطنية في طياتها الكثير من المعاني السامية، وحيث اتجهت غالبية الأغنيات اللبنانية التي قدمت في العقود الأخيرة للحديث عن صمود لبنان في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، ظهر في الحراك الحالي شكل جديد من الأغنيات الوطنية التي اتجهت لتنقل هموم الشارع وتعبّر عن حالة ثورية مفتقدة في الأغنيات اللبنانية.
في الوقت الذي بثت مكبرات الصوت في ساحة الشهداء أغنيات لجوليا بطرس، كتب المتظاهرون على الجدران المقابلة عبارات تطلب من جوليا الصمت لموقفها المقرب من العهد، وبذلك انقسم الشارع على مجموعة من الأصوات كانت قد غنت للبنان وشكلت حالة وطنية في زمن سابق، ولم تستطع في زمن الثورة الحالي أن تنجز منتجاً موسيقياً جديداً يعبر عن حراك هذه المرحلة بمفاهيم التمرد التي تحملها وخاصة شعار “كلن يعني كلن” الذي طالب به المتظاهرين لمحاسبة كافة رموز السلطة وإبعادهم عن دوائر صناعة القرار، في الوقت الذي اتكأ بعض الفنانين على علاقاتهم بالسلطة والأحزاب وأصحاب النفوذ لبناء الشهرة.
وبذلك بحث الشارع عن أغنية وطنية جديدة تنهض بشعارات الشارع وتوثق هذه المرحلة موسيقياً، ورغم تحول خيمة صور إلى ملتقى يومي لرموز الأغنية الملتزمة إلا أن ذلك ارتبط بمرحلة زمنية لا تحمل صرخات الشارع اليوم.
أولى المبادرات جاءت من جريدة “النهار” التي طلبت من الفنانة كارول سماحة إعادة غناء النشيد الوطني بعد إضافة مفردة “النساء” إلى جملة “منبت الرجال” للتعبير عن المشاركة النسائية الواسعة في الثورة. ولكن ذلك شكلّ حالة انقسام وهجوم على كارول كون التفسير الشعري لكلمات النشيد لا تعني جندرة البطولة بيد الرجال، فلم تحقق التجربة غايتها.
وجاءت التجربة الثانية بصوت الفنانة إليسا بعدما عزمت على تسجيل إعلان داعم للثورة من كلمات الشاعرة سهام الشعشاع، لتقررا فيما بعد أن يحولا الإعلان لأغنية لحنها الموسيقي المصري محمد رحيم، فكانت “عم ثور” أغنية تشبه حالة إليسا التفاعلية على السوشل ميديا وتعبّر بكلماتها عن الوطن بصوت أنثى في حالة قليلة التكرار، حيث تقول إليسا في الأغنية: ” عم ثور تا قلك انا يا هالوطن امك اختك انا ورفيقتك وبقلبي عم ضمك”
وبعدها بيومين قدمت المطربة عبير نعمة أغنية بعنوان “وطني” من كلمات جرمانيوس جرمانيوس وألحان جوزيف خليفة، وحيث ابتعدت عبير عن الكلمات الثورية في الأغنية واكتفت بوضع صورة العلم في فيديو الأغنية، مع حالة من النوستالجيا للوطن الوعود الحالم بصور عن طبيعة لبنان وعلاقة اللبناني العاطفية مع بلده.
أما الفنان فضل شاكر المثير للجدل في الأوساط السياسية اللبنانية لسنوات عديدة، كان قد سبق الحراك صدور حكم “عفو عام” بحقه من تهم وجهت إليه عن حمل السلاح بوجه الجيش اللبناني في أحداث عبرا، عاد للساحة الفنية عبر عدة أغنيات وشارك بالحراك على طريقته عبر إطلاق “كوفر” لاغنية “وطني” للسيدة فيروز.
فهل تجد هذه الأغنيات صداها في الشارع الثائر الذي صنع شعاراته من وحي أزماته المعيشية على وقع ضرب الطناجر؟!

