هل ينجو حزب الله من حرب استنزاف؟

التفجير الذي استهدف منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت، اعتبره البعض إيذاناً بعودة الحدث السوري وملحقاته إلى صدارة الاهتمامات، بعد شبه الاستقرار في مصر، وتكريس التغيير السياسي الحاصل، لكن من دون أن يعني ذلك حسم الأوضاع فيها، وعودة الحياة إلى طبيعتها.

قفزت المواقف الدولية من الحدث السوري عموماً وقوى المعارضة خصوصاً، إلى الواجهة مجدّداً، مع عودة التحذير من دور القوى المتطرّفة فيها، والخوف من وقوع الأسلحة في أيديها، سواءٌ أكانت كيماوية أم لا.

لم يصدّق المعارضون السوريون حتى اللحظة أيّاً من الوعود الأميركية بتسليحهم، ولم يتوهّموا بالوعود الغربية الأخرى. فشحنات الأسلحة المباشرة التي وعد "الأصدقاء" بها، تقتصر حتى اللحظة على تمويل ماليّ مباشر من بعض الدول الخليجية، حيث يتمّ شراء الأسلحة من السوق، وإدخالها عبر قنوات تُشرف عليها أجهزة الاستخبارات المعنية بمراقبة الجهات المقبولة وتصنيفها.

هذا ما كشفه معارضون سوريون في واشنطن يتولّون الاتّصال بالإدارة الأميركية، التي تستطيع حسب صلاحياتها، "تجاوز مجلسي الشيوخ والنواب في ما يتعلق بعمليات تسليح يُمكن تطبيق بنودها تحت أيّ فصل من فصول الموازنة التي تُنفَق في إحدى الإدارات العسكرية أو الأمنية، سواءٌ في وزارة الدفاع أو الاستخبارات".

تصويت اللجان الفرعية في الكونغرس على قرار يشترط نيل موافقته قبل أيّ تسليح للمعارضة السورية، والإجابة عن استفسارات وإعطاء الضمانات بعدم وصول السلاح إلى أيدي المتطرّفين، لا يغيّر في الأمر شيئاً، خصوصاً أنّ إدارة الرئيس باراك أوباما لم تُقدم أساساً على أيّ خطوة من هذا القبيل.تؤكّد أوساط أميركية أنّ تغيير الواقع التسليحي لـ"الجيش السوري الحرّ" لن يتمّ عبر الولايات المتحدة، ويتشارك معها في هذه القناعة المعارضون السوريون.

ويعتبر البعض أنّ اشتراطاً سياسياً هو الأساسي والجوهري في قضية التشدّد في السلاح، ويرتبط بما يمكن أن يتحقّق لجهة قلب ميزان القوى داخل التشكيلات العسكرية التي يتشكّل منها "الجيش الحر" نفسه.

وتقول الأوساط الأميركية نفسها إنّ المهمّة الأولى لتأمين الاستقرار على الحدود مع العراق، والحدّ من تورّط ميليشيات عراقية شيعية في النزاع السوري، هي التخلّص من مسلّحي "دولة العراق الإسلامية"، بعد الكشف عن ضغوط تُمارَس على "جماعة الصدر" لإعادة إحياء "جيش المهدي" وإرسال مقاتليه لنصرة نظام الرئيس بشّار الأسد.

"جبهة النصرة" وملحقاتها ستكون هدفاً ثانياً وأساسياً، ولا يعني ذلك أنّ "الجيش الحر" سيتمكّن من حسم المعركة في جبهته الداخلية، تمهيداً لحسمها مع النظام. فهذا الأمر مرهون بعوامل أكبر وأكثر تعقيداً، تتصل بالجانب الإقليمي من الأزمة السوريّة.

وبالعودة إلى ملفّ لبنان، يدور همس عن أنّ انكشاف الوضع فيه، قد يكون هو العنوان الموازي "لتطهير" صفوف المعارضة السورية من المتطرّفين، في ظلّ استبعاد أيّ مبادرة سياسية لوضع حدّ للحرب في سوريا، بعد تراجع حظوظ مؤتمر "جنيف 2".

بمعنى آخر، إذا كان الهدف هو "تقليم" أظافر القوى السنّية المتطرّفة، فإنّ فرض التراجع على القوى الشيعية المتطرّفة، يستوجب إشعال جبهات يُمكن أن تساهم في هذا الهدف.

يقول خبير أميركي إنّ انغماس "حزب الله" في الحرب السورية، أمر لا رجعة فيه، وكلّ المؤشّرات تؤكّد أنّه اختار طريقاً لا عودة فيها، لكنّه يؤكّد أنّ تلك الحرب قادرة على ابتلاع أيّ قوّة مهما بلغ حجمها ودرجة منعتها، خصوصاً أنّ أكلاف الحروب الأهلية لا يمكن تقديرها.

لقد أيقن النظام السوري بكلّ قوّته وجبروته وآلته العسكرية، بعد أقلّ من سنتين، أنّه لا يمكنه الصمود في هذه المواجهة من دون مساعدة الآخرين. فكيف يمكن لـ"حزب الله" أن ينجو، وهل يستطيع تحمّل أكلاف المواجهة في سوريا ولبنان معاً؟

هناك أكثر من سبب يفسّر عدم صدور موقف أميركي من تفجير "بئر العبد"، على رغم البيان القوي للسفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيللي. ولكي لا نغرق في التفسيرات، يؤكّد البعض أنّ الغطاء الدولي للبنان لا يزال متوافراً، ولكن من قال إنّ خلخلة الحال الشعبية الحاضنة لهذا الحزب أمر ممنوع؟

لقد عكست ردود الفعل الشعبية التي وصلت أصداؤها عبر الصحافة الأجنبية إلى عواصم العالم ولا سيّما واشنطن، أجواء القلق والخوف بين اللبنانيين عموماً، وأبناء منطقة الضاحية الجنوبية خصوصاً، الذين أنهوا بالكاد إعادة بناء ممتلكاتهم بعد حرب تموز 2006.

وإذا أُضيفت إلى هذا المناخ معلومات تكشف عن تدريب تشكيلات عسكرية خاصة في "الجيش الحر"، لمقاتلة وحدات "حزب الله"، مع فارق أكيد في العدد والعمق البشري الذي يتمتّع به الجانب السوري، فماذا سيكون موقف الطائفة الشيعية في لبنان عندئذ، من استمرار خطف قرارها السياسي والعسكري والاجتماعي والثقافي إلى ما شاء الله؟
 

السابق
ما بين السنة والجيش واقع غير سليم!
التالي
النهار: مصادر نيابية: اجتماع لجنة الدفاع بروفة