إذا كان بيان بكركي الشهير (ايلول عام 2000) الذي طالب بانسحاب القوات السورية من لبنان، كوّن لقاء "قرنة شهوان" الذي تابع المطالبة بذلك، وتحقق هذا الانسحاب بانتفاضة شعبية عرفت بـ"ثورة الأرز"، فهل بيان بكركي (تموز 2013) الذي دعا الى التخلي عن التنظيمات المسلحة لمصلحة القوى العسكرية والامنية الشرعية التي لها وحدها حق امتلاك السلاح واستعماله، وهي وحدها الضامنة للسلم الاهلي ولأن كل سلاح غير شرعي يستجلب في المقابل سلاحا غير شرعي، يعيد المتحاورين الى طاولة الحوار في القصر الجمهوري للبحث في الاستراتيجية الدفاعية التي اقترحها الرئيس سليمان؟
اقتراح الحوار فرضته الاسئلة الآتية:
كيف يستعمل سلاح المقاومة ومتى يستعمل واين يستعمل، ولماذا يستعمل، من اجل التوصل الى الاستفادة منه للدفاع عن لبنان ولتأكيد عدم تدخل اي لبناني في الأزمة السورية، تحريضا او مشاركة ميدانية التزاما لإعلان بعبدا؟
لكن حزب الله اعتبر ان بيان بكركي هذا لا يقصده لأن سلاحه شرعي بمجرد ان وافق مجلس النواب على البيانات الوزارية، وفيها العبارة الآتية: "الجيش والشعب والمقاومة"… وهي عبارة لم يوافق عليها بعض الوزراء وسجل تحفظه في المحضر، برغم ان هذه البيانات ميزت في مقدمتها بين الحق في تحرير الارض بكل الوسائل المتاحة والمشروعة (اتفاق الطائف) وبين ممارسة هذا الحق بمعنى ان هذا الحق هو للسلطة اللبنانية. ومن لم يقبل من الوزراء بعبارة "وضع سلاح المقاومة في كنف الدولة" قبل بعبارة وحدة الدولة ومرجعيتها بوصفها ناظما لتوجهات الحكومة وقراراتها، وتأكيد الاتفاق على تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته.
الواقع ان "حزب الله" يتصرف من خلال تمسكه بسلاحه كما تصرفت سوريا ببقاء قواتها في لبنان عندما طلبت من كل حكومة ان تكرر في بياناتها الوزارية عبارة انه "ضروري وشرعي وموقت" ولم يكن في الحقيقة كذلك عندما تجاوز مدة السنتين المحددة لبقاء هذه القوات في لبنان.
ان سلاح حزب الله ليس شرعيا ولا هو ضروري الا اذا وافق على الاستراتيجية الدفاعية كما اقترحها الرئيس سليمان، فكما ان سوريا خالفت اتفاق الطائف بابقاء قواتها في لبنان 30 سنة بعدما حدد هذا الاتفاق سنتين فقط لبقائها، فإن "حزب الله" خالف البيانات الوزارية التي ارادت من عبارة "الجيش والشعب والمقاومة" تمكين المقاومة من القيام بعملها في تحرير مزارع شبعا والجزء اللبناني من قرية الغجر والدفاع عن لبنان، لا ان تكون في كل الاراضي اللبنانية وان يرتد سلاحها الى الداخل ليتسبب بحوادث 7 ايار وغيرها ويشتبك مع الجيش وقوى الامن الداخلي، ولا ان يقاتل في سوريا منتهكا سياسة النأي بالنفس وبنود اعلان بعبدا والتزام الحكومة قرار مجلس الامن الدولي رقم 1701 بمندرجاته كلها والقرار 1559 الذي يطالب بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة عدا ما يخص منها الدولة اللبنانية، كذلك نص القرار 1701 على انشاء منطقة بين الخط الازرق ونهر الليطاني خالية من افراد مسلحين او معدات اي الا يكون وجود لسلاح المقاومة في تلك المنطقة المواجهة لاسرائيل، كما يطلب القرار 1701 من حكومة لبنان وقوة الامم المتحدة الموقتة في لبنان عند توقف الاعمال القتالية في شكل تام وقف النار وفرض رقابة دولية لعدم وصول السلاح الى "حزب الله"، فالتزام لبنان هذه النصوص لا يمكنه ان يدعم المقاومة، لأن في الامر تناقضا كبيرا، بحيث ان الحكومة تطلب وتدعم الشيء ونقيضه وتحاول ابتداع العبارات عند وضع كل بيان وزاري إرضاء لمكونات الحكومة المتعددة والمتناقضة سياسيا وطائفيا فتستمر الازمات كامنة وتخبئ الفرص للبروز وحتى الانفجار حروبا ونزاعات، أضف ان القرارات الدولية تكون ملتبسة حينا فتولد تفاعلات داخلية وتجاذبات تؤدي الى عدم الاستقرار.
لذلك يمكن القول ان سلاح "حزب الله" ليس شرعيا حتى ورد في البيانات الوزارية ما يشرعها، لأن هذه البيانات ترسم سياسة الحكومة العامة الداخلية والخارجية وليس لها صفة الالتزام الا عندما تحول قوانين، وغالبا ما يبقى الكثير من مضمونها من دون تنفيذ او من دون الالتزام بما وعدت به.
وكما اعتبر سياسيون القوات السورية في لبنان قوات احتلال بعد مرور مدة السنتين المحددة في اتفاق الطائف، فإن سلاح "حزب الله" حتى وان اعتبره البعض شرعيا بعبارة "الجيش والشعب والمقاومة" الواردة في البيانات الوزارية، فإنه لم يعد شرعيا عندما خالف ما جاء في مقدمة هذه البيانات التي تؤكد حق تحرير الارض للسلطة اللبنانية وان الدولة وحدها هي المرجعية، وقد خالف "حزب الله" ذلك في حرب تموز 2006 وخالف القرار 1701 الذي التزمت به كل الحكومات، ولم يوافق على اي استراتيجية دفاعية تجعل الدولة تستفيد من سلاح المقاومة عند كل اعتداء اسرائيلي، كما خالف اعلان بعبدا بارساله منفرداً مقاتلين الى سوريا وزج لبنان في حروبها.

