تبدأ صيدا اعتباراً من اليوم باستعادة حياتها الطبيعية على رغم فداحة الخسائر التي نجمت عن فتح الشيخ أحمد الأسير الحرب على الجيش اللبناني، إلّا أنّ الحرص على الاستقرار والتقاطع الخارجي والداخلي على رفض الحرب الأهلية فعلَ فعله بتسريع الحسم العسكري وطيّ الصفحة الأليمة التي شهدتها المدينة، غير أنّ هذه الصفحة لا تختصر كلّ المشهد السياسي من الاحتقان في الشارع السنّي في ظلّ الخشية من استثمار "حزب الله" ما حصل سياسيّاً، إلى السؤال الذي تردّد على كلّ شفة ولسان: ماذا بعد انتهاء الظاهرة الأسيرية؟ وهل ستشهد البلاد ولادة ظواهر مماثلة، أم أنّ هذه التجربة شكّلت درساً للجميع بضرورة معالجة مسبّباتها بخروج الحزب من سوريا ووضع سلاحه على مشرحة الحوار الجدّي قبل فوات الأوان؟ وهل ستسرّع هذه الأحداث ولادة الحكومة العتيدة؟ وكيف يمكن تثمير حالة الطوارئ السياسية التي شهدتها البلاد، فضلاً عن الإجماع على دور الجيش اللبناني، بخطوات سياسية عملية وتحديداً حكومية؟
ترجم الجيش اللبناني بيانه على الارض، وتمكّن من حسم المعركة في عبرا التي خرج منها الشيخ أحمد الأسير إلى مكان ما زال لغاية اللحظة مجهولاً، وتمّ القبض على مسلّحيه الذين استسلم عدد كبير منهم بعد مواجهات عنيفة خاضها، لكنّ كلفة العملية الأمنية الشاقة والمعمّدة بالدم كانت باهظة جدّاً، فقدّم الجيش مجدّداً عدداً جديداً من الشهداء على مذبح الشهادة.
وعلمت "الجمهورية" أنّ عدد شهداء الجيش ارتفع الى 21 شهيداً بعدما انتشل الصليب الأحمر اللبناني خمسة شهداء جدُداً من أرض المعركة، كما سقط ما يزيد على ستّين قتيلاً من أنصار الأسير، معظمهم من داخل مجمّع الأسير، حيث عُثر على ما يزيد على 24 قتيلاً توزّعوا في باحاته ومحيطه.
وقال مسؤول في الصليب الأحمر اللبناني إنّ فرقه نقلت 85 جريحاً مدنيّا من منطقة الإشتباكات حتى بداية ليل أمس.
وكان الجيش اللبناني أحكم مساء أمس قبضته على مجمّع الأسير في عبرا، بعدما تمكّن هذا الأخير من الفرار ومعه الفنّان المعتزل فضل شاكر وعدد من معاونيه الى جهة مجهولة بقيت لغزاً، ذلك أنّ إعلان المستشار السياسي لـ"الجيش السوري الحر" بسّام الدادا عن أنّ الأسير بات في عهدة "الجيش الحر" في مكان آمن وهو يستعدّ لـ"إعلان الجيش اللبناني الحر" ، لم يأخذه أحد على محمل الجد. وقد أثار هذا الإعلان الإستغراب في بيروت كونه تزامن مع أنباء عن بقاء الأسير في مكان قريب من مجمّعه، وهو لم يتمكّن بعد من الفرار بعيداً عن المنطقة.
وتزامُناً، بقيت تُسمع رشقات نارية من وقت لآخر في محيط مجمّع الأسير أثناء قيام الجيش بعملية تمشيط للمنطقة، فيما علت سحُب الدخان من إحدى زوايا المجمّع بعدما اشتعلت النيران في مخزن للذخيرة فيه.
وقالت مصادر امنية إنّ شقيق فضل شاكر قُتل في المعارك على محور تعمير عين الحلوة. كما قُتل احد المسؤولين العسكريين لجماعة الاسير ويدعى ابو عبد شمندر خلال المواجهات في منطقة عبرا – شرق صيدا. وقد تمّت السيطرة على المنازل والمراكز التي كان يشغلها، ومصادرة كمّيات من الأسلحة والأعتدة وبزّات وأعلام حزبية ودينية سوداء وخضراء.
كما تمّ اعتقال ستّة عناصر من مسلّحي الأسير في منطقة التعمير بينهم نجل ابو عبد شمندر الذي كان متخفّياً بلباس امرأة منقّبة، واستسلم اكثر من 30 عنصراً للأسير، للجيش اللبناني في محيط مجمّع عبرا.
وأدّت المواجهات التي دارت في منطقة التعمير بين الجيش ومسلّحي "جند الشام" و"فتح الاسلام" الى احتراق عدد من المنازل والسيارات وتضرّر شبكات المياه والكهرباء، فضلاً عن جرح العديد من المدنيّين من أبناء المنطقة.
أمر اليوم
وإيذاناً بانتهاء العملية العسكرية الكبرى، وجّه قائد الجيش العماد جان قهوجي أمر اليوم الى العسكريين لمناسبة الظروف الراهنة أكّد فيه أنّه "ردّ على مجموعة مسلّحة اعتدت عليه عن سابق تصوّر وتصميم، بعدما حذّر مراراً من أنّه سيردّ على النار بالنار".
وأوضح أنّ الجيش "لا يفرّق بين طائفة وأخرى ومذهب وآخر، وهو لجميع اللبنانيّين"، داعياً أهالي طرابلس والبقاع وبيروت وجبل لبنان "إلى الوقوف صفّاً واحداً إلى جانب جيشهم بدل تحويل مناطق لبنان بؤراً مسلّحة، مؤكّدين لهم أنّنا لن نسكت عن استهدافنا. لكنّنا جاهزون لكلّ مبادرة طيّبة تريد الحوار والعمل على حلّ المشاكل الأمنية أينما تقع، واستيعاب محاولات البعض إشعال الشارع ونقل الفتنة من منطقة إلى أخرى".
وخاطب قهوجي جميع القوى السياسية على اختلافها بالقول: "إنّ وقوفكم إلى جانب الجيش اللبناني يجب أن يكون معبراً من أجل توطيد السلم الأهلي في كافة المناطق اللبنانية، والتغطية على أيّ مُخِلّ بالأمن تساهم في توسيع رقعة المشاكل وتدخِل لبنان في متاهة طائفية ومذهبية لا خلاص منها". وإذ لفت الى أنّ "الوطن يمرّ بمرحلة صعبة، شدّد على انّ الحلّ "لا يكون باستهداف الجيش، بل بقيام جميع القوى السياسية بسحب ذرائع التفجير، والتنسيق مع الجيش من أجل استتباب الأمن وإنقاذ لبنان".
بيان الجيش
وكانت قيادة الجيش دعت الذين اعتدوا على مراكزه وعلى المواطنين، الى إلقاء السلاح وتسليم انفسهم فوراً إلى قوى الجيش حرصاً على عدم إراقة المزيد من الدماء، وأكّدت مضيّ الجيش في اجتثاث الفتنة من جذورها، ولن تتوقّف عملياته العسكرية حتى إعادة الأمن الى المدينة وجوارها بصورة كاملة، وانضواء الجميع تحت سقف القانون والنظام".
إجتماع بعبدا والتطوّرات الأمنية وسُبل معالجتها حضرت في اكثر من لقاء واجتماع واتصال.
ففي بعبدا، أكّد بيان الاجتماع الأمني الذي ترأسه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بحضور رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي والوزراء المعنيّين وقادة الأجهزة العسكرية والامنية في بعبدا، وجوب استمرار الجيش في تنفيذ الإجراءات حتى الإنتهاء من منع المظاهر المسلّحة، وإزالة المربّع الأمني وتوقيف المعتدين والمحرّضين على الجيش، إضافة الى عمليات إجلاء المواطنين المدنيّين من منطقة العمليات العسكرية.
برّي
وفي أثناء الإجتماع الوزاري- الأمني، اتصل رئيس مجلس النواب نبيه برّي برئيس الجمهورية وقائد الجيش وجرى عرض للتطوّرات الخطيرة في صيدا في ضوء الاعتداءات التي تعرّض ويتعرّض لها الجيش.
الحريري
وعلمت "الجمهورية" أنّ رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري أبقى قنوات اتصالاته مفتوحة مع قيادة الجيش طيلة هذين اليومين، وهو كان اتصل بالعماد قهوجي منذ اللحظة الأولى لاندلاع الاشتباكات، مُندّداً بالإعتداء على الجيش، ومعزّياً بالشهداء.
ودعا الحريري قائد الجيش الى اتّخاذ كافة الإجراءات الآيلة الى درء الفتنة وبسط سلطة الدولة.
بدوره ثمّن قهوجي دور الحريري في دعم الجيش، والوقوف الى جانبه في هذه المرحلة الحرجة. وأكّد الحريري في حديث تلفزيوني ليلاً "أننا سنبقى الى جانب الجيش وسيبقى مشروعنا الدولة"، واعتبر أنّ "المشكلة الأساس في لبنان هي تفشّي السلاح في أيدي مجموعات، ما سيوصل البلد الى مواجهات".
وسأل الحريري "إقفال الطرقات الذي يحصل هو بوجه من؟ وهل الحلّ بإغلاق الطرقات، أو بفتحها أمام الدولة لبسط سلطتها؟ وهل الحلّ بوجود مجموعات كأحمد الأسير وغيره يتحدّون الدولة؟"، لافتاً الى أنّ "استفزازات حزب الله لا تعني أنه يجب ألّا نسير بمشروع الدولة".
وشدّد الحريري على أن "لا أحد أكبر من لبنان، ومن يعتبر نفسه اليوم أكبر من بلده سيأتي يوم ليستنجد بالدولة وأهل البلد"، مؤكّداً أنه "علينا الحفاظ على مشروع الدولة وإكمال هذا الطريق".
ولفت الى أنّ "الجيش دفع ثمناً كبيراً اليوم، ولا يجوز حصول فراغ في الجيش، ويجب السير قدماً بموضوع التمديد للعماد قهوجي".
رؤساء الحكومات السابقون
وفي حين حمّل الشيخ سالم الرافعي قيادة الجيش مسؤولية فشل مبادرة "هيئة العلماء المسلمين" معلناً أنّ الهيئة لن تفعل شيئاً من الآن وصاعداً لضبط الشارع، رفض رؤساء الحكومات السابقون بعد اجتماع في السراي الحكومي مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بحضور رئيس الحكومة المكلّف تمّام سلام، "المحاولات المتكرّرة والفاشلة لوضع الجيش بمواجهة المسلمين السنّة وتصويرهم أنهم جماعة رافضة للدولة"، وأعلنوا تضامنهم "مع من يشعرون أنّ القانون يُطبّق عليهم دون الآخرين"، مناشدين إياهم في المقابل "الدفع لتطبيق القانون على جميع اللبنانيّين بالتساوي"، طالبين من "الجيش والقوى الأمنية القيام بمهامها بشكل عادل وشامل".
بدوره، اعتبر مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني "أنّ دعوة السنّة الى الانفصال عن الجيش هي جريمة بحقّ السنّة أولاً والجيش ثانياً، وهي دعوات تؤدي الى الفتنة التي تشقّ طريقها الى لبنان".
مواقف دولية وعربية
ودفعت الأوضاع الأمنية المستجدّة بالمجتمع الدولي والعربي الى التعبير عن قلقه إزاء ما يحصل مستنكراً الإعتداءات التي طاولت الجيش اللبناني. فدانت الولايات المتحدة الأميركية بشدّة إشتباكات صيدا، وأبدت تعاطفها العميق وتعازيها لمقتل وإصابة أفراد الجيش اللبناني والمدنيّين الأبرياء. ودعت جميع الأطراف إلى ممارسة ضبط النفس واحترام استقرار لبنان وأمنه، وكذلك سلامة المدنيّين.
من جهّتها، أبدت فرنسا قلقها الكبير لأعمال العنف الدامية المستمرّة في جنوب لبنان، وندّدت بـ"الهجمات على الجيش في صيدا".
وأعلن المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي في بيان بعد لقائه سفراء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن أنه والسفراء أجمعوا "على إدانة التحدّي الأخير لسيادة القانون في صيدا، والإعتداءات التي حصلت هناك وفي مناطق أخرى على القوّات المسلّحة اللبنانية، ونتقدّم بتعازينا إلى قائد الجيش اللبناني، وإلى عائلات الذين سقطوا في القتال". وأكّدوا على موقفهم الموحّد "في دعم رئيس الجمهورية، ومؤسّسات الدولة والقوى الأمنية، خصوصاً الجيش في هذه المرحلة الصعبة".
أوروبياً، شدّدت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون على ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، حيث "يجب حشد كافة الجهود لمنع الفوضى وانفجار الوضع في هذا البلد"، مؤكّدة ضرورة الإستمرار في العمل من أجل دعم الحكومة اللبنانية.
عربياً، أعرب مجلس الوزراء السعودي عن بالغ القلق إزاء تطوّرات الأوضاع في ما تشهده مدينة صيدا من حوادث، داعياً الجميع إلى وقف الاشتباكات وعدم تصعيد الموقف.
وفي ظلّ الأوضاع الأمنية المستجدّة، طلبت مصر من رعاياها في لبنان توخي الحيطة والحذر والابتعاد قدر الامكان عن مناطق التوتر والاشتباكات المسلّحة.
ودعت جامعة الدول العربية إلى "تضافر الجهود من أجل وأد الفتنة ومعالجة الموقف الأمني المتدهور في مدينة صيدا حماية لأرواح المواطنين الآمنين". وطالبت "بالالتفاف حول الجيش اللبناني ودعمه حتى يتمكّن من القيام بواجباته الوطنية".

