تركيا تغلي

كانت تركيا هذا الاسبوع في مقدمة العناوين الصحافية. فقد تحولت من دولة حصلت من واشنطن على عمل الشرطي الاقليمي المسؤول في الشرق الاوسط غير المضطرب وغير المستقر جدا، الى ميدان صدامات عنيفة بين قوات الامن وعشرات آلاف المتظاهرين. فقد تحول احتجاج سلمي بدأ من اجل حماية البيئة في اسطنبول الى اضطرابات دامية في انحاء الدولة، جبت ايضا حياة ثلاثة مواطنين.
ان خطة تحويل متنزه غازي، وهو الرئة الخضراء للمدينة التي يسكنها 17 مليونا، الى مشروع تظاهري يشتمل على مجمع تجاري وسلسلة مبان ومسجد ضخم، على حساب المركز الثقافي المسمى باسم اتاتورك، كانت كبيرة جدا بالنسبة لملايين السكان. لا يعني هذا انهم لم يكونوا معتادين من قبل على خطط رئيس البلدية قادر توباز، صديق اردوغان الشخصي، بيد انه فضلا عن حقيقة ان الخطة البلدية اصبحت القشة التي كسرت ظهر البعير، كان الاسلوب هو الذي لم يعجبهم. اصبح نصف السكان على الاقل يرون منذ زمن ان اردوغان مستبد في الاساس، بيد ان النصف الثاني ممن صوت له في المعارك الانتخابية الثلاث الاخيرة، ربما صوت له بسبب ذلك خاصة. ومهما يكن الامر فانه يمكن ان نوجز احتجاج هذا الاسبوع بانه احتجاج على ديمقراطية اردوغان، وهي ديمقراطية ذات عضلات.
ان احتجاج هذا الاسبوع بعيد عن ان يطرد اردوغان من السلطة. فتركيا ليست مصر أو ليبيا أو تونس أو البحرين. وتركيا ديمقراطية من جميع الجهات وان كان اردوغان كما قلنا من قبل يراكم صعابا.
تحولت تركيا الى ديمقراطية تعرف كيف توجه لكمة حينما يحتاج الى ذلك، أو حينما لا يحتاج في الاساس. بيد ان احداث هذا الاسبوع خاصة أضرت بصورة تركيا في العالم، وهذا شيء مهم جدا لنظام يريد ان يكون قدوة، بل يرى نفسه انه القوة الجديدة في فترة اخذت تفقد فيها امريكا من قوتها. ان الاضطرابات في ميدان تقسيم والقوة الكبيرة التي استعملت على المتظاهرين احدثت شرخا عميقا في ما يحبون تسميته ‘النموذج التركي’، وهو نموذج بناه رئيس الوزراء ببطء وصبر واصبح فخر اردوغان وحزب العدالة والتنمية. وتبين للجميع فجأة مبلغ انقسام المجتمع التركي، ومبلغ عدم سهولة التأليف بين النمو الاقتصادي السريع والحكم التسلطي والمركزي. وينبغي ان نضيف الى ذلك الصعاب التي يلاقيها اردوغان في إملاء ارادته في الساحة الدولية أو في الساحة الاقليمية خاصة. ‘مشكلة اردوغان الكبرى هي انه لم يفهم أهواء الشارع′، تقول لي كارن وهي محاضرة في اللغات في جامعة اسطنبول، تتابع الاحداث الاخيرة بتشاؤم كبير. ‘عامل المتظاهرين غير المعنيين اصلا بالسلطة بشدة وكذلك الشباب الذين لا يصوتون لا لليمين ولا لليسار، وهم في رأيي لا يصوتون البتة، لكن مدينتهم ببساطة تهمهم. ورد هو بالغاز المدمع والهراوات’.
ان تركيا دولة شابة، واعمار 70 في المئة من السكان أقل من 23 سنة. ويأتي طلاب ثانويات كثيرون كل مساء للتظاهر بموافقة الوالدين. زرت أمس مدرسة ثانوية في شمال شرق المدينة. والحديث عن مدرسة خاصة يدرس فيها اولاد الاغنياء، وتوحي المدرسة بالليبرالية وقد قال لي طلاب كثيرون ان آباءهم صوتوا لحزب اردوغان لاسباب اقتصادية. ‘ضقت ذرعا بسماع اردوغان يتحدث طول الوقت عن انجازات اقتصادية وضقنا نحن الجيل الشاب ذرعا بسماع آبائنا يكررون النغمة نفسها’، يقول لي إسوار، وهو طالب في السابعة عشرة يريد ان يدرس الحقوق بعد تأدية امتحانات الثانوية العامة، ‘عند جيلنا شيء أهم من المال هو الحرية. واردوغان عند جيلنا ليس ديمقراطيا. اريد ان اعيش في مجتمع تستطيع فيه وسائل الاعلام ان تبث وتؤدي التقارير عما يحدث في الدولة حقا’.
وبمناسبة ذكر وسائل الاعلام ربما يمكن الآن ان ننسب الى المتظاهرين انجازا اول وهو ان وسائل الاعلام في تركيا التي تجاهلت التظاهرات تماما تقريبا ـ ما عدا قناة واحدة (شبكة هالك تي في) بدأت فجأة تنقل تقارير من الميدان، بل تُسمع كلام المحتجين. لا شك في ان التظاهرات قبالة مكاتب قناة ان.تي.في الموالية لاردوغان وقبالة الصحيفتين اليوميتين المركزيتين، ملة وحريت، أدت دورها، فقد اصبح للاحتجاج فجأة وجه وصوت. كان الشباب يُعرضون الى بدء هذا الاسبوع على انهم ارهابيون، واحتاجوا الى عدة ايام في الجزء الآسيوي من المدينة، حيث يتابعون الاحداث على شاشات التلفاز لفهم ما يحدث.

السابق
ميريام فارس بكليب جديد
التالي
رافضو السلام 46 سنة من ‘لا’