قبل أربع سنوات، أنتجت الانتخابات الرئاسية في ايران الأزمة الكبرى في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ومذذاك ساد اعتقاد أن الحياة السياسية الإيرانية باتت وقفاً على المحافظين، مع أن هؤلاء لم يعودوا تياراً متجانساً. وإذ تنتظر صناديق الاقتراع في 14 حزيران اسم رئيس يخلف محمود أحمدي نجاد، يبدو المشهد بمثل تأزم عام 2009، والاصطفافات لا تقل حدة. ومجلس الرقابة على الدستور لم يقل بعد كلمته في من يخوض السباق ومن يخرج خائباً، ذلك أن قبول بعض الأسماء، كما رفضها، قنبلة موقوتة.
معظم رجالات النظام قدموا ترشيحاتهم. وبين هؤلاء 15 من وجوه الصف الأول الذين يتولّون مناصب حساسة. وكلهم يتمتعون بالمواصفات الواجبة، وخصوصاً كونهم شخصيات سياسية ودينية تلتزم المبادئ الأساسية للجمهورية الإسلامية.
من اصل 686 ملفاً، كم يؤهل مجلس الرقابة على الدستور؟ من المفيد أن يكون عدد المرشحين محدوداً، ستة على أقصى تقدير، لئلا تتشتت الأصوات فيكون لا بد من دورة ثانية. يُفضل الحسم في الدورة الأولى، نظراً الى دقة الظروف الداخلية وتعقيد الأوضاع الإقليمية، وخصوصاً التهديدات الاسرائيلية وأزمة النظام السوري.
لهذا سيستنفد المجلس المهلة المحددة له كاملة قبل ان يخرج بلائحة المرشحين. ستُراجع السيناريوات السياسية والاحتمالات الدستورية، كي يكون في القائمة اسم ذهبي، فائز مفترض، وأسماء وازنة تعطي صدقية للمنافسة من غير أن تحولها معركة كسر عظم.
وليس في وسع أحد التكهن بتلك اللائحة التي لن تُعلن قبل الثلثاء وربما الخميس، وخصوصاً الجزم بهوية المرشح الذهبي المفُترض أن يجمع إلى الولاء المُختبَر والمُثبت للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، القبول الشعبي والصلابة في وجه الخارج. وأقر محللون بعجزهم عن قراءة المشهد الإيراني لأن مسار اليوم الأخير للترشيحات فاجأهم.
إنهما مرشحا نصف الساعة الأخير. خلطا الأوراق، والاحتمالات متشعبة، سواء تأهلا للمنافسة، أو أحدهما، أم أقصيا معاً. الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الباقي الوحيد، بعد خامنئي، من الوجوه الأولى للجمهورية الإسلامية. واسفنديار رحيم مشائي، أكثر الرجال إثارة للجدل في البلاد، وأقربهم إلى الرئيس المنتهية ولايته، فهو نسيبه وصديقه.
رجل كل المراحل
كانت الأنظار متجهة الى الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي. وأُسقط رفسنجاني من الحسابات لتقدمه في السن وابتعاده عن الشباب والنساء وأبناء الطبقة الوسطى، اولئك الذين ضمنوا لخاتمي فوزاً غير متوقع عام 1997. غير أن أداء الأخير كان دون المأمول منه في السنتين الاخيرتين من ولايته، إذ عجز عن حماية أنصاره من المحاكمات والسجن، وهو مصير هُدد به مراراً. وآثر عدم الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات العامة عام 2012. ولم يقدم على مغامرة الترشح للرئاسة، اذ خشي أن يرفضه مجلس الرقابة على الدستور، فيجد نفسه منبوذاً من نظام تولى رئاسته يوماً.
لكن رفسنجاني لا يتردد مثل خاتمي، ويثق بأنه لا يمكن استبعاده بسهولة، ولو حوصر بمحاكمات لأبنائه وانتزاع مهماته الواحدة تلو الأخرى. لا شيء لديه يخسره، فهو لطالما نهض بعد كل ضربة.
ومن المفارقات أن يصير "منقذاً" للإصلاحيين على حساب المفاوض النووي السابق حسن روحاني. وبعدما حظي بدعم خاتمي، تحول رفسنجاني بسرعة مرشح إجماع للإصلاحيين، مقبولاً لدى المحافظين الوسطيين، ومتسلحاً بتأييد بعض أركان بازار طهران وأئمة قم.
ومعلوم أنه ساهم في وصول خامنئي إلى منصب المرشد، لكن التوتر بينهما لم يعد خافياً. ونُسب إليه قوله في نيسان إنه يعجز عن تصور وضع يستطيع فيه العمل معه، فهو "لم يعد يثق بي مع أنني اعتبرته بمثابة أخي. أنا من أحضره إلى طهران من مشهد، والباقي معروف".
إذا كانت الأمور بهذا السوء، فكيف لرفسنجاني، لو عاد رئيساً، ان يتعامل مع خامنئي؟ وهل يمكن النظام الذي يواجه حصاراً اقتصادياً أفقدَ الريال أكثر من نصف قيمته وقفز بمعدل التضخم إلى مستوى 30 في المئة، ان يقبل برئيس مستقل.
جاء الرد في صحيفة "كيهان" المقربة من المرشد أن "الغرب وعملاءه في إيران" صوروا ترشيح رفسنجاني على أنه "نهاية الجمهورية الإسلامية". غير أن "ائتلاف الفتنة"، وهو التعبير الوصف الذي يطلق على الإصلاحيين منذ عام 2009، و"التيار المنحرف"، ويعني أنصار أحمدي نجاد ومشائي، "لم يحققا شيئاً". و"اذا فكرا في إثارة الفتنة والشغب مجدداً، فإن الإيرانيين لن يسمحوا بذلك، ولو لساعة".
ويسترعي الانتباه أن الخطاب الرسمي يضع الإصلاحيين وأحمدي نجاد في خانة واحدة، مع أن لا شيء يجمعهما فعلاًً. بل لا يزال التيار الإصلاحي يحمل ندوب الهزيمة أمام الرئيس المنتهية ولايته الذي كان في حينه رمزاً للنظام.
وكذلك يُقرأ بين السطور خوف من تجدد سيناريو عام 2009، وخصوصاً من حيث الاحتجاجات الشعبية. وثمة الكثير من المشاهد المستعادة من ذلك العام. بطء الانترنت وصعوبة إجراء المكالمات الدولية، على ما قال ناشطون لـ"النهار"، معتبرين أن رفسنجاني يملك فرصة جدية للفوز، إذا لم يُرفض ملفه أو "تُزور نتائج الانتخابات كما في المرة السابقة". وثمة تقارير عن إجراء الميليشيات الإسلامية "الباسيج" تدريبات على احتواء احتجاجات، فحصولها وارد، وإن تكن المعارضة نفسها تستبعد تجدد "الثورة الخضراء". "لن يكون هناك أكثر من تظاهرات محدودة، فالمجتمع ممسوك المفاصل بشدة"، استناداً الى هؤلاء الناشطين.
وحديث "كيهان" عن عملاء الغرب استعاده أحد أعضاء مجلس الرقابة على الدستور، مشيراً إلى "المواقف الجديدة" لرفسنجاني التي لا تتماشى مع مبادئ الجمهورية الإسلامية، وهذا شرط أساسي لقبول الترشيح. وهو كان قال أخيراً إن "إيران ليست في حال حرب مع اسرائيل، ولن تبدأ هجوماً عليها، ولكن اذا دخلت البلدان العربية مثل هذه الحرب، فإن إيران ستساعدها". من كان يتصور أن مسؤولاً بهذا الحجم يصرح بذلك بينما يرتكز الخطاب الرسمي على معاداة الدولة العبرية.
"سيناريو ميدفيديف"
وفي ما بدا انتقاداً لرفسنجاني ومشائي معاً، أكد رئيس مجلس الرقابة على الدستور آية الله أحمد جنتي الجمعة أن لا مكان بين المرشحين للطامحين إلى إعادة العلاقات بالولايات المتحدة. وإذا كان إبعاد الرئيس السابق قراراً صعباً على رغم كل المآخذ عليه، فإن التخلص من مشائي أسهل بكثير.
والذرائع لا تحصى. قيل إنه تجسس على مكتب خامنئي، وإنه صاحب "تيار منحرف" و"ماسوني" و"يمارس الشعوذة". ويُعتقد أنه يقف وراء إنتاج شريط عن ظهور وشيك للإمام المهدي، وهذا يعني، دينياً وسياسياً، انتفاء الحاجة إلى المرشد – الولي الفقيه. وهو يبشر بأن المنصب سيزول بعد وفاة خامنئي لأن المهدي سيدير الدولة بنفسه.
أعلن مرة أن "الإيرانيين أصدقاء كل الشعوب، حتى الاسرائيليين"، وأشاد بالولايات المتحدة باعتبارها "واحدة من أعظم الأمم". وهو يفضل القومية الفارسية على الدين، متحدثاً عن "إسلام إيراني" و"حقبة جديدة في الإسلام تُسمى المهدية".
حيال كل ما تقدم، يقتنع المرء بأن مجلس الرقابة على الدستور سيمزق ملف مشائي إرباً. ولكن مهلاً، أليس مفيداً إبقاؤه ليكون "حصان طروادة" لهزيمة رفسنجاني وتشتيت أصوات أبناء الطبقة الوسطى بين الرجلين، فتخلو الساحة أمام من سميناه المرشح الذهبي؟
أضف أن في يد الرئيس الإيراني ورقة يلوح بها في وجه آية الله جنتي وأعضاء المجلس. في 27 نيسان أورد موقع "باتزاب" المقرب من محسن رضائي الذي خسر هو أيضاً انتخابات عام 2009 أمام أحمدي نجاد، أن الأخير يملك شريطاً يثبت التزوير لمصلحته، على رغم رفضه ذلك، وأنه سينشره اذا رُفض ترشيح مشائي.
وأوضح الموقع الذي ألغى النبأ بعد ساعة من بثه، أن الشريط المسجل في 13 حزيران 2009، يتضمن إبلاغ أحمدي نجاد حصوله على 16 مليون صوت، وأن النتائج الرسمية ستصدر بأنه نال 24 مليوناً، في مقابل 13 مليوناً لمير حسين موسوي. وهذا يعني، اذا صح، أن المرشحين كانا ليذهبا إلى مواجهة ثانية مفتوحة على كل الاحتمالات.
وسبق للرئيس استخدام ورقة مماثلة لصد هجمات النواب، إذ عرض تسجيلاً لشقيق علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى، وهو يحاول رشوة أحد المقربين منه. ويسترعي الانتباه أن لاريجاني يكاد يكون المسؤول البارز الوحيد الذي لم يترشح للانتخابات، على رغم قربه البالغ من خامنئي. ولم يستبعد محلل معارض سألته "النهار" أن تكون الفضيحة التي أثارها أحمدي نجاد وراء عزوفه، قسراً أو طوعاً.
وربما كان في حوزة الرئيس المزيد. ولعل هذا يبرر الثقة المفرطة التي أظهرها بمواكبته مشائي الى الترشّح، وقوله :"أخذت اليوم إجازة للوقوف إلى جانبه. عرفته طوال 28 سنة. إنه مؤمن وتقي. أحمدي نجاد هو مشائي، ومشائي هو أحمدي نجاد". وكان صرح عام 2011 بأنه سيسعد لو عُين نائباً للرئيس في عهد مشائي.
ومشائي نفسه برر ترشيحه بأنه "واجب لإكمال مسيرة أحمدي نجاد". ولكن من البديهي الاعتقاد أن من أهدافه حماية نسيبه وفريقه. فوسائل الإعلام الرسمية فتحت النار على الرئيس. الحوارات التلفزيونية تحمله مسؤولية الأزمة الاقتصادية متجاهلة وطأة العقوبات الدولية. وتنشر الصحف استطلاعات للرأي تفيد أن شعبيته تدنت إلى ما دون عشرة في المئة. وليس مستبعداً تحرك القضاء للتضييق عليه من باب التحقيق في "استغلال المنصب" بمرافقته صديقه الى الترشّح، ثم الانتقال إلى شبهات بالفساد تطاول مشائي ومقربين من أحمدي نجاد يُعتقد أنهم تلقوا مبالغ طائلة تحت غطاء شركات وهمية، وتقارير عن حسابات ضخمة لمهدي، نجل الرئيس وزوج ابنة مشائي…
قد تكون هذه الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وتطورات الأيام القليلة التي تفصلنا عن لائحة المرشحين تحدد كل شيء. إنها معركة ستُخاض، قدر المستطاع، قبل بلوغ صناديق الاقتراع. المفاجآت غير مرغوب فيها، يكفي ما أعده رفسنجاني ومشائي. لننتظر إذاً اللائحة النهائية بأسماء المرشحين ونبحث فيها عن الاسم الذهبي.

