من لم يكن وفيّاً لأهله كيف يمكن أن يكون وفيّاً لمجتمعه ووطنه وأمّته؟
ينطبق هذا التوصيف على حديثُ نعمةٍ وحديثُ سلطةٍ، انتظر والده الحاكم حتى غادر بلاده لأسباب عائلية، منفّذ انقلاباً عليه وأصدر قراراً يمنعه من العودة ونصّب نفسه حاكماً بديلاً بصلاحيات مطلقة، وافتتح بعد ذلك مكتباً لدولة الاغتصاب الصهيوني في عاصمة بلاده تحت غطاء التمثيل التجاري بين محميته و«إسرائيل»، لكن خفايا هذا التنسيق بين المحميتين كان أبعد مما أعلن عنه، إذ كان تنسيقاً كاملاً في كل المجالات، كأنهما دولة واحدة موحّدة في الإجرام والتآمر على العالم العربي، وبخاصة على بلاد الشام وتحديداً فلسطين. كشف ذلك الجاهل والخائن الخليجيّ عن وجهه الحقيقيّ عندما تولى تسويق مؤامرة ما يسمى بـ»جامعة الدول العربية» التي تسعى إلى إرضاء سيدها الأميركي والصهيوني بطرح خطة «سلام» جديدة، ومن أخطر بنودها الاعتراف بـ«يهودية الدولة الإسرائيلية»، مع ما يعنيه ذلك التنازل المذلّ من تهجير جديد لعرب 48 وتبادل الأراضي بين اليهود والفلسطينيين لإقامة دويلة هجينة مقطّعة الأوصال تتداخل في ما بينها المستعمرات «الإسرائيلية» التي أقيمت على حدود 67 كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه!
إضافة إلى الدور التآمري الذي يلعبه ذاك الحاكم العاق بإغداق المال القذر على السلفيين والتكفيريين لتخريب الدولة السورية ومن يدور في فلك المقاومة من الشعوب العربية (غالبية الحكام العرب في واد والشعوب العربية في واد آخر)، إذ رأينا ما يحصل في تونس ومصر وفلسطين من تظاهرات ترفع العلم السوري وتؤيد السلطة القائمة والجيش العربي السوري الأبيّ وتشدّ على أيديهما في التصدي للحرب الكونية المعلنة على قلب العروبة وبلاد الشام كلّها… نصّب تاجر البترول والغاز نفسه ناطقاً باسم الأعراب جميعاً وتولى طرح مبادرة الذلّ الجديدة حاضّاً الأميركيين على القبول بها وإقناع «الإسرائيليين» بجدوى الموافقة عليها، «مبادرة» يتم التنازل فيها عن كل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بدءاً بحق العودة إلى حق تقرير المصير فحق الانتفاضة على الاحتلال الذي اغتصب الأرض وحوّلها مستعمرات لشذاذ الآفاق من أصقاع الأرض كلها. ولا يغيب عن البال ما تخفيه بنود تلك المبادرة ـ المؤامرة من خطة جهنمية حول مصير المملكة الأردنية والسعي الحثيث إلى أن تكون «وطناً بديلاً» بعد حوادث خطيرة مخطط لها أن تدور على أرضها يكون من نتائجها زوال الحكم الملكي وإنشاء «الكيان الفلسطيني البديل»، وهذا ما يسعى إليه الغرب الذي زيّن لحكام الأردن محاسن احتضان المسلحين التكفيريين وتدريبهم وإرسالهم إلى الدولة السورية، ولم يتنبّه أولئك الحكام الغارقون حتى آذانهم في الجحيم الصهيوني الذي يحوك المكائد، كما هو معروف حتى الآن، ليحارب الأعراب بعضهم البعض فتثخن جراحهم جميعاً ويسقطون في فخاخ الغرب المتهوّد، ثم تكون خطة الإطباق عليهم فيصبحون عاجزين عن رفض الإملاءات الصهيو ـ أميركية ويرضخون للأمر الواقع. وكيف لا يكون ذلك وقد ابتلي العالم العربي بـ«جامعة» وضعت كل ما تملكه من إمكانات اقتصادية وعسكرية تحت إمرة الصهاينة والأميركيين وأسلست قيادة أمورها وشؤونها، حتى باتت أداة طيّعة لا حول لها ولا قوة على الرفض (حكّاماً لا شعوباً). والحق يقال، إن جامعة الأعراب انتزعت قلبها النابض بالحق عندما اتخذت قراراً بتعليق عضوية الدولة السورية فيها وأكدت مجدّداً أنها أصبحت هيكلاً عظمياً لا روح فيه ولا نبض حياة وكرامة ومروءة، إذ سلّمت ذلك المقعد للأوباش الذين يطلقون على أنفسهم ألقاباً لا حقيقة لوجودها وليسوا جديرين بحملها، فالثورة والثوار هم الأحرار الذين يستشهدون في سبيل الحرية والاستقلال، أما العبيد فهم الذين يسيرون في ركب الاستعمار بعدما دانت رقابهم وأنوفهم لسلاسل الاستعباد والذل.
في الشأن الفلسطيني يقول سعاده: «إن الأمة السورية هي وحدها صاحبة الحق في ملكية كل شبر من سورية والتصرّف والبتّ به»، ويعني هذا القول: «إن الوطن ملك عام لا يجوز ولا لأفراد سوريين (فكيف لأعراب الخليج المتهوّدين) التصرف بشبر من أرضه تصرفاً يلغي، أو يمكن أن يلغي فكرة الوطن الواحد». هذا يعني أيضاً أن المسألة الفلسطينية هي شأن عام لأنه جزء لا يتجزأ من الوطن الكل ولا يحق حتى للفلسطينيين أنفسهم التنازل عن هذا الحق تحت أي ظرف من الظروف، لأن فلسطين في المفهوم القومي والوطني هي بوصلة المقاومة والممانعة ومن يخرج على هذا الالتزام متآمر وخائن مهما كانت صفته أو موقعه وسلطته، فإذا كان صاحب الأرض لا يحق له أن يتنازل عن شبر واحد منها كيف لمن طعن أباه في الظهر وتآمر هو والحمد الآخر الناطق باسم التكفيريين جميعاً والمتآمرين إلى أبعد الحدود على بلاد الشام كلها أن يتكلّما بهذا الشأن القومي والوطني البالغ الأهمية.
إن بعض الحكام الأعراب، أمثال هذا الجاهل الخليجي العميل يظنون أن في إمكانهم شراء ضمائر الشعوب الحرة بأموالهم القذرة أو يستطيعون أن يطوّعوا مقاومة بدأت مذ وطأت الأقدام الهمجية أرض فلسطين ولن تتوقف إلاّ بتحرير كامل التراب الفلسطيني وجميع الأراضي العربية المغتصبة، ولو أقام «حمد» مجلس تخريبه الخليجي وأتباعهم مضارب إبلهم في البيت الأبيض نفسه.

