حزب الله وعصبة الأنصار

قبل نشوب الأزمة السورية، كان لقاء «حزب الله» بأيّ فصيل إسلاميّ لبناني، فلسطيني، أو عربي خبراً روتينيّاً، لا يحمل في طيّاته الكثير من الدلالات والرموز السياسية.

لم يكن الخطاب المذهبي عالياً كما هو الحال اليوم، والعلاقات كانت منطلقة من إجماع على "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ومقارعة الهيمنة الأميركية، ورفض سلوكها الاستكباري في وجه دول وشعوب المنطقة العربية والإسلامية".

أمّا في الجانب الأيديولوجي، فقد جرى "تنظيم الخلاف" وتأجيله وعدم إعطائه الصدارة، وهذا ما أدّى إلى احترام الخصوصيات العقائدية والدينية لكلّ طرف، وعدم الغوص في نقاشات تاريخية وسجالات فقهية وعقائدية "عقيمة"، لا قيمة لها في الوقت الحاضر سوى تأجيج النفوس والغرائز، واختراع نقاط خلاف واشتباك ليست في أولويّات الطرفين.

خلال سنتين منصرمتين من عمر هذه الأزمة، تغيّرت الأمور ووَقَع التباعد في المواقف، واستفحل الخطاب المذهبي، وطرأت تعقيدات كثيرة في علاقات الحزب بالقوى الإسلامية على الساحة السُنّية، وفي مقدّمها القوى الإسلامية السلفيّة. وصار كلّ تقارب أو لقاء بين "المقاومة" وتنظيم إسلاميّ "سلفيّ" أو "وسطيّ" حدثاً له أبعاد ومعانٍ ودلالات "إسلامية" وسياسية وأمنيّة أيضاً.

عشاء سياسيّ

منذ أيّام زار وفد من تنظيم "عصبة الأنصار" الفلسطيني قيادة "حزب الله" في صيدا. إلتقى الطرفان على "عشاء سياسي"، جاءَ تتمّة لسلسلة لقاءات سابقة حصلت في السنتين الأخيرتين. منذ اللقاء الأوّل "تَفهّم" الطرفان ظروف ومواقف كلّ منهما حيال الأزمة السورية. "حزب الله" واضح في رؤيته للمشكلة السورية والموقف منها، وليس في وارد أيّ اشتباك مذهبيّ سنّي – شيعي أو لبناني – فلسطيني على خلفية ما يجري في سوريا.

و"عصبة الأنصار" مع "الثورة" السوريّة وضدّ نظام بشّار الأسد، ولكنّها ليست في وارد التدخّل في الشأن اللبناني الداخلي، أو القطع مع "المقاومة" بسبب الخلاف في وجهات النظر حيال سوريا.

على هذه المعادلة استمرّت العلاقات "الودّية"، وانعقد العشاء الأخير الذي لم يتناول بحسب المعلومات أيّ جانب من جوانب الأزمة السورية، بل تركّز البحث على الشأن الصيداوي، حيث أبلغت "العصبة" إلى قيادة الحزب أنّها ليست طرفاً في أيّ صراع داخليّ، مؤكّدَةً أنّ موقف غالبية القوى الإسلامية الوازنة في مخيّم "عين الحلوة" "قريب" من موقف "العصبة" وتوجّهاتها اللبنانية الداخلية.

يروي خبراء في القوى الإسلامية الفلسطينية، أنّ "عصبة الأنصار" منَعَت تنظيم "القاعدة" وكتائب عبدالله عزّام من مهاجمة أيّ من مراكز "حزب الله" أو المناطق التابعة له بعيد السابع من أيّار 2008. ويصفون "العصبة" بأنّها "ضمانة" الحزب بين القوى السلفية الفلسطينية وبعض القوى اللبنانية.

ويُرجعون ذلك إلى قناعة لدى قيادة هذا التنظيم بأنّ "الصدام مع الشيعة" ليس في أولويّاتهم وأدبيّاتهم حاليّاً. هم يضعون جدولاً بأولويات وقائمة بالأعداء والخصوم، تبدأ بأميركا وإسرائيل وتمرّ بالأنظمة العربية "المتخاذلة" العميلة بحسب تعبيرهم.

أمّا "تصفية الحساب" العقائدي والسياسي مع "الشيعة" وغيرهم من الطوائف والمذاهب فيكون بعد تحرير الأرض وقيام "الخلافة الإسلامية" العادلة، أي أنّه "صِدام" مؤجّل في فكر "العصبة" وأدبيّاتها.

هذا التصوّر لأولويّات الصراع بحسب مفاهيم "عصبة الأنصار"، وتنظيم الخلاف الفقهي والسياسي مع "حزب الله" وتأجيله، خوّلها أن تلعب دوراً "مضمَراً" في التعامل مع ظاهرة الشيخ أحمد الأسير في صيدا أخيراً من باب "المناصحة" والنهي عن الفتنة، وفي محاولة لكبحِه عن اندفاعته "المتهوّرة" في وجه "حزب الله" والمعالم الشيعية في المدينة بحسب تعبيرهم.

والأهمّ في كلّ ذلك أنّ قيادة "العصبة" أبلغت إلى الجميع، بمن فيهم مخابرات الجيش في الجنوب، أنّها ليست طرفاً في أيّ صراع لبناني – لبناني، ولن يكون مخيّم "عين الحلوة" بقواه الإسلامية جزءاً من أيّ مشكلة صيداوية. وبناءً عليه سارعت "العصبة" إلى إخماد وإسكات بعض الأصوات التي ارتفعت في المخيّم ضدّ "حزب الله" بلغة ومفردات مذهبية.

السابق
نتنياهو كمبعوث للأسد!
التالي
بين حسابات الأسد وحسابات أوباما