لم يبالغ الذين سمّوا القمة العربيّة الرابعة والعشرين "قمّة المقعد"، ولا أخطأ، كذلك، الذين وجدوا في مسار قمة الدوحة ما يوحي أنها قمة سوريا بلا منافس، أو قمة المأساة السورية، أو قمة محنة الشعب السوري، أو قمة التراجيديا التي يعيشها العالم العربي حديثاً والمجسَّدة بما تعيشه سوريا وشعبها من ظلم وإجرام وأهوال منذ سنتين، وبلا هوادة.
بل، حتى بلا تلك الهدنة التي تُسمّى عادة "استراحة المحارب".
إنما مهما قيل، وأيّاً تكن الآراء والتحليلات، فإن قمة الدوحة هي باستحقاق وموضوعية قمة سوريا والسوريين، وفي وقتها، وخصوصاً بعد الموافقة شبه الاجماعية على إعطاء المعارضة السورية الممثَّلة برئيس ائتلاف المعارضة أحمد معاذ الخطيب المقعد المخصّص لسوريا. لمندوب سوريا. لممثّل سوريا.
وقد جاءت هذه اللفتة بمثابة تكريس للاعتراف بواقع سوري جديد، وبمتغيّرات سياسيّة ورسميّة تكرّس "البيعة" العربيّة للمعارضة، مع دعوة الشرعية الدولية، والمجتمع الدولي المؤثّر والفعّال، للاعتراف بـ"شرعيّة" تمثيل المعارضة للشعب السوري، وحلولها في السلطة، ولو معنوياً، محل النظام السابق.
هذه الخطوات استحوذت على اهتمام المتابعين من قريب وبعيد، مثلما جعلت مندوبي الصحافة ووسائل الاعلام يأخذون في الاعتبار، وعلى محمل الجدية و"الشرعيّة"، ما حصل خلال جلسة الافتتاح، وما تلاها من تفاهمات واتفاقات، سواء خلال الجلسة المقفلة، أوفي الخلوات والكواليس.
صحيح أن القضية الفلسطينية لم تكن مركونة في زاوية الاهمال، وقد حظيت بقرارات ووعود ومساعدات مالية لا بأس بها، وبعضها خصص للقدس وانقاذها، وبإسم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إلا أن كفّة سوريا بقيت هي الراجحة. ولألف اعتبار واعتبار.
في رأس القائمة، أو الجدول، أو اللائحة، كون هذا البلد العربي، الذي يتعرّض لحرب لم تشهد مثل ضراوتها الحروب العالمية المعروفة، لم يحظ حتى الساعة بما كان متوقعاً أن يلاقيه من الدول العربيّة والشعوب العربيّة، التي يكتفي معظمها حتى اللحظة بارسال المزيد من "التحيّات" و"التمنيّات"، مع إبداء الأسف الشديد على الضحايا وحجم الدمار… إنما من بعيد لبعيد.
لا شكّ في أن قمة الدوحة فتحت الباب السوري، باب المأساة المدويّة، على مصراعيه. إلا أن هذه القمة، وما قيل خلالها، وما شهدت، ليست سوى مقدّمة، أو تمهيد لما تحتاج إليه سوريا، ولما يفتقر إليه وينتظره السوريون من مساعدات فعليّة وفعالة، تمكنهم من مغادرة هذا الجحيم هم وسورياهم… لتبدأ الرحلة الجديدة الى سوريا الدولة الحديثة، سوريا الحرية، سوريا الانفتاح على الديموقراطية والحياة.

