بدا الموظفون في الخارج، أحرص على الدولة من الناطقين الرسميين باسمها. التقوا حول لقمة العيش والحقوق الانسانية المفقودة التي تشكل أصل السياسة، وأعطوا لحاملي المقصات دروسا في الوحدة الصادقة والعيش المشترك الحقيقي، فتلاشت الحدود بين الشيعي والسني والدرزي والماروني والارثوذكسي والكاثوليكي والارمني بفعل قانون الطبيعة، خلافا لما يحاول ان يفعله قانون الانتخاب.
أمس، وتحت قبة مجلس النواب، هُزم لبنان ـ الرسالة الذي لطالما تباهى به أولئك الذين أصبحوا اليوم من أشد المتحمسين لنقيضه، فإذا بنا نتسلق الهاوية ونتقدم أشواطا الى الخلف.
أمس، ضُرب مبرر وجود لبنان، كمساحة للتنوع والتفاعل بين مكوناته، وانتصر في المقابل منطق الدويلات والكانتونات والمزارع والعصبيات.
أمس، فقد لبنان سره وخصوصيته، وتقدم بطلب انتساب الى نادي دول ما قبل العالم الثالث، حيث تدور عقارب الساعة… الى الوراء.
أمس، أصيب حلم المواطنة والدولة المدنية بنكسة قاسية على يد مشروع يُقزم الانسان باسم الدفاع عنه، ويهين الطوائف تحت شعار حمايتها، ويحول المذاهب الى خنادق بحجة استعادة حقوقها، ويفتت الوطن بادعاء الحفاظ عليه.
أمس، تلقى اللبنانيون إهانة جماعية، مست كرامتهم الوطنية وإنسانيتهم وطموحهم الى غد افضل، والإهانة هذه لا تستثني حتى أولئك الذين يبشرون بمشروع "الارثوذكسي". هؤلاء الذين يلحسون المبرد ويجلدون الذات في معرض الانتقام من التهميش ومواجهة الغبن.
أمس، أطلقت الرصاصة الأولى في حرب أهلية مقبلة لن تبقي حجرا على حجر، ومذهبا على مذهب، أما خطوط التماس هذه المرة فلن تكون بين شرقية وغربية، بل بين حي وآخر، ومبنى وآخر، ومنزل وآخر، وغرفة وأخرى.
أمس انتصر الماضي على المستقبل، وصادر حق الأجيال الشابة في التطلع الى لبنان مختلف، فارضا عليها ان تعيش في مناخ مسموم وموبوء وان تسير في ممر إلزامي لا يقود سوى الى الفتنة.
أمس، تفوقت ديكتاتورية الخوف على الديموقراطية، حتى بأشكالها البدائية المعتمدة في لبنان، فانحدرنا من "قانون الستين" الى "قانون السكين"، كأنه مكتوب على هذا البلد ان يخسر كل اربع سنوات دفعة إضافية مما تبقى من احتياطي الديموقراطية والمواطَنة.
أمس، ظهر النظام الطائفي بأبشع وجوهه، متوجا مساره التصاعدي بمشروع انتخابي هو في واقع الامر نتاج التوظيف على الهوية، والتعيينات على الهوية، والتربية على الهوية، والتطوع في الجيش وقوى الامن على الهوية، وتقاسم السلطة على الهوية، وربما غدا السير في الطرق على الهوية ودخول المدرسة والجامعة والمستشفى والمتجر على الهوية.
أمس، بات للفتنة نصها القانوني والتشريعي، ويكفي لاستشراف معالم السنوات المقبلة ان يتخيل اللبنانيون أي نواب يمكن ان يأتي بهم قانون يشجع على الخطاب الطائفي والمذهبي، ويمنح مقعدا لكل متفوق في هذا المجال.
انه لبنان ينتقل من "قانون الستين" الى "قانون السكين". هل من فرصة للإنقاذ قبل الغرق؟ يجيب الرئيس نبيه بري بالقول لمعارضي "الارثوذكسي": "قانون الستين" خلفكم ومشروع "الارثوذكسي" أمامكم.. ولا خيار لكم سوى التفاهم على بديل توافقي.

