درجت العادة على توصيف روسيا في أدبيات السياسة الدولية ب «الدب الروسي»، للدلالة على المناخ القارس والمساحة الشاسعة التي تحتلها روسيا في خريطة العالم، أما إيران فربما ينطبق عليها وصف «القط الشيرازي»، نظراً الى تشابه خريطتها السياسية مع شكل القط، الذي تكون رأسه الحدود مع تركيا، وبطنه الرخوة الخليج العربي.
وعلى الرغم مما يبدو على السطح من تناقض إيديولوجي بين روسيا الاتحادية، وريثة الاتحاد السوفيتي المنهار، وبين «جمهورية إيران الإسلامية»، المؤسسة على نظرية «ولاية الفقيه»، فإن تداخل المصالح الوطنية لكل من طهران وموسكو، خصوصاً في السنتين الأخيرتين، دفع شراع العلاقات الثنائية بينهما في شكل بدا متجاوزاً للتباينات العقائدية والعداوات التاريخية. وتبلغ المفارقة ذروتها بملاحظة أن جيش «جمهورية إيران الإسلامية» هو الجيش الوحيد في العالم، خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق، الذي يعتمد إلى حد بعيد في بناء ترسانته وحيازة التقنيات المتطورة على روسيا. ويأتي ذلك على الرغم من تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين في أكثر فترات العصر الحديث، ابتداءً من المواجهات العسكرية بين البلدين في القرن التاسع عشر وما خلّفته من استقطاع روسيا لأراض شاسعة كانت بحوزة إيران في القوقاز، ومروراً بمرحلة الهيمنة الروسية على شمال إيران في بدايات القرن العشرين، ودعم الحركات الانفصالية الكردية والآذربيجانية في إيران، خلال الأربعينات من القرن نفسه.
اقرأ أيضاً: ومن الذي سيدافع عن الاسد؟
شهدت العلاقات الروسية ــــ الإيرانية ثلاث مراحل: الأولى عند قيام الثورة الإيرانية التي أخرجت إيران من العباءة الأميركية، ولكنها لم تدخلها تحت حماية الدب الروسي، والثانية إبان انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، الذي شكّل تهديداً مستمراً لإيران، والثالثة إبّان التدخّل الروسي في سوريا خريف عام 2015 بطلب من إيران، خوفاً على النظام السوري من السقوط.
تكتسب معرفة العوامل الحاكمة للسياسات الروسية في الموضوع الإيراني أهمية استثنائية في سياق التحليل السياسي الإقليمي، لأنها تقود في النهاية إلى تقدير اتجاهات السياسة الروسية، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهة بين واشنطن برئاسة ترامب وطهران. لم تتغير التصوّرات الجيوبوليتيكية في الكرملين خلال فترة رئاسة فلاديمير بوتين عن مثيلاتها إبان العصر السوفيتي، والمشترك الأكثر وضوحاً بين العصرين هو معارضة النظام الدولي ذي القطب الواحد. لذلك، عادت السياسة الروسية في عصر بوتين لتكون محكومة بالتصورات الجيوبوليتيكية الروسية الكلاسيكية؛ مع اعتبار أنه لم يعد لدى الكرملين الآن الهامش والقدرات التي امتلكها سابقاً.
سعت روسيا منذ تولي فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في موسكو عام 2000 إلى تثبيت «حلفاء استراتيجيين» في مواقع مختلفة كمناطق عازلة، أو «جدران صد» ضد النفوذ الأميركي في العالم. ووفق هذا التصوّر تكون الصين في شرق آسيا والهند في جنوب آسيا أهم حلفاء موسكو في العالم حالياً، وعلى النسق ذاته، تحتل إيران مكانتها لدى موسكو، باعتبارها الشريك الأكبر لروسيا في منطقة الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى. وتجد التصوّرات الجيوبوليتيكية الروسية سياقها الأساس في الصراع الذي تعتبره حتمياً بين «التيلوروكراتيا»، أي القوى البرية، و«التالاسوكراتيا»، أي القوى البحرية.
جسدت روسيا القيصرية القوى البرية، في حين قادت بريطانيا العظمى القوى البحرية، طوال القرن التاسع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية كرّست الولايات المتحدة الأميركية نفسها قائدة للمعسكر الغربي بالمعنى السياسي، ولقواه البحرية بالمعنى الجيوبوليتيكي. أما روسيا قائدة القوى البرية فقد تغطت بعباءة الاتحاد السوفيتي لمواجهة القوى البحرية وزعيمتها الولايات المتحدة الأميركية، ليخوض قطبا الجيوبوليتيك الكوني صراع القرن العشرين الذي ربحته القوى البحرية، كما ربحت صراع القرن التاسع عشر من قبله.
لكن التصوّرات الجيوبوليتيكية الروسية تعتقد أن هزيمة القوى البرية لا تعدو أن تكون ظاهرة مؤقتة؛ تعود بعدها روسيا إلى أداء رسالتها القارية، تلك التي تأخذ في الحسبان كل العوامل الجيوبوليتيكية التي أغفلتها تجربة روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي السابق، لتحقق في النهاية انتصارها على القوى البحرية. وحتى تتحقق الأفكار المؤسسة للجيوبوليتيك الروسي الجديد على أرض الواقع، يجب العمل على تكوين موسكو محاور جيوبوليتيكية جديدة هي: المحور الغربي موسكو ـــــ برلين، والمحور الشرقي موسكو ـــــ طوكيو، والمحور الجنوبي موسكو ــــ طهران. ويحقّق المحور الجنوبي لروسيا (أكبر بلدان العالم من حيث المساحة) الخروج إلى المياه الدافئة عبر الخليج العربي، وهو هدف جيوبوليتيكي، ظلت موسكو قروناً طويلة تسعى إليه، ولا تتمكن من تحقيقه، سواء عبر المحيط الهندي أو مضيقي البوسفور والدردنيل، أو حتى عبر جبل طارق.
أما إيران فقد قامت دوماً بالتحالف مع بريطانيا العظمى، ثم مع أميركا حتى عام 1979، لتمنع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة، من دون أن يمنعها ذلك من التعاون التجاري والإقليمي مع روسيا. وحتى في أحلك فترات العلاقات الإيرانية ـــــ الأميركية لم تُقدم طهران على تغيير هذه الاستراتيجية؛ حتى لا تفقد أهميتها لدى واشنطن وتستفز بالتالي ضربة عسكرية ضدها.
باختصار، تقول حسابات الجيوبوليتيك إن التحالف الاستراتيجي بين موسكو وطهران في مواجهة الغرب غير متوقّع من الجانب الإيراني؛ لأنه يقلّص هامش المناورة الدولية لديه، حتى وإن تدهورت علاقات إيران مع ترامب، كما هو جارٍ الآن.

