من رئيس غير أميركي إلى رئيس أميركي جدا

عندما انتخب الأميركيون باراك أوباما المرة الأولى عام 2008 كانوا ينتخبون بمعنى ما "رئيسا غير أميركي" مرشحا لامتحان أن يصبح رئيساً أميركياً! هذه كانت عظمة القرار الانتخابي الذي اتخذته الطبقة الوسطى الأميركية البيضاء تحديدا وتاريخيّته يومها.
القرار الذي جعل من الديموقراطية الأميركية مرة أخرى طليعية عن كل الديموقراطيات الغربية ومتقدمة في ثقافتها السياسية الى نقطة لم يستطع أيٌ منها الوصول اليها في السابق… من حيث قبول ترئيس أسود مسيحي طبعا لكن من أب مسلم مات مسلما وأخوة لازال عدد منهم وعائلاتهم مسلمين. كانت تلك لحظة ثقة هائلة بالنفس قدّمتها الديموقراطية الأميركية.
أما باراك أوباما الذي أعاد الأميركيون انتخابه أمس فقد فعلوا ذلك، لا لأنه أصبح رئيسا أميركيا بالكامل فحسب بل أيضا لأنه أصبح رئيسا أميركيا ناجحا وواعدا بنجاحٍ أكبر في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
لاشك أن باراك حسين أوباما أصّل (من تأصيل) صورته كممثّل للطبقة الوسطى الأميركية وبدا انطلاقا من معركته التي حقّقت بعض الانجازات غير المسبوقة حول الضمان الصحي أنه رئيس يسعى ليكون أمينا لأصوله الاجتماعية ولكن أيضا تابع خلال حملته الانتخابية تعزيز هذه الصورة. سر نجاحه لا يكمن هنا وحده. فهو في السنوات الأربع شبه المنصرمة ظهر رجل وسطية سياسية غير متطرفة وبهذا المعنى رجل المزاج الأميركي الذي لا تحمل دعوته أي بُعدٍ استبعادي.
أثبت هذا الرئيس الذي شكك سابقا بعض اليمين الجمهوري بوطنيّته بل حتى بمدى استحقاقه للجنسية الأميركية أنه رئيس طبيعي وحامل مشروع تغيير من قلب التقاليد الأميركية.
لقد منح انتخابه في المرة الأولى شحنة إضافية في "القوة الناعمة" لتأثير الديموقراطية الأميركية في العالم لا يمكن تجاهلها. ولو أن الولايات المتحدة لا تزال البلد ذا التفاوت الخطير في الأرقام المتعلقة بمستوى حياة السود فيه رغم الإنجازات الحاصلة في توسّع الطبقة الوسطى بين الأفارقة الأميركيين والبادئة من الستينات من القرن الماضي.
لكن صورة أميركا في العالم العربي متصدّعة أكثر بكثير من أن نملك نحن العرب "كمالية" تقييم باراك أوباما على هذا الأساس الأميركي الداخلي وحده. هنا في منطقتنا نواجه الموضوع الفلسطيني الذي بات يحمل كل الخيبات العربية التي يمكن تصورها نتيجة السياسة الأميركية الداعمة لاسرائيل من جهة ونتيجة العجز الأميركي وتحديدا الأوبامي تجاه النخبة السياسية الاسرائيلية الحاكمة من جهة أخرى… حتى في زمن أوحى فيه "الربيع العربي" بإمكان تكريس تحالف غير مسبوق بين النخب الديموقراطية العربية وبين أميركا..

السابق
المستقبل والمردة في خندق واحد!
التالي
بوتين يتباحث مع بيريز في موسكو