ليّنُ الملمس، هلاميّ العريكة، مطواع الجسد نحيله، متأرجح كرقاص الساعة، لا تتوقف عقاربه على توقيت ثابت. دائريّ الحركة كالرادار خوفاً من غزوة مقبلة، جاهز مستنفر لأيّ حدث مفاجئ، سيئ الظن حتى في أقرب المقربين إليه، يخاطب عالم الحيوان ويأتمنه على استكشاف ما خفي تحت جلابيب الوافدين إليه، قلق حتى عقله الباطني. الخشية والخوف من المجهول الآتي هاجسه الدائم، لولبيّ لا يستوي حتى في ساعات رقاده، «مكر مفر مقبل مدبر معاً» وما من أحد يعرف إلى أين؟
بالأمس كان، وما قبل الأمس، في أمكنة مختلفة، واليوم وسطيّ الهوى، وغداً قد يكون في الموقع ذاته أو لا يكون. لا يستقرّ في مكان كأنه محمول في زعزع أو إعصار… ويأتيك من يقول إن مجسّاته وحواسه اللاقطة بعيدة المدى وأذرعه طويلة جداً. مقاول وتاجر ومساوم ومفاوض و»مقاتل»، متعهّد لحروب الآخرين، خارجياً وداخلياً وإقليمياً إذا توافرت له «ضروريات المعركة». مدعوم من أقوياء العالم كبيدق يحرّكونه في اتجاهات متعددة غب الطلب، والمهم أن تؤتي مواقفه أثمانها ولا شيء عنده من دون مقابل.
بالأمس، يبدو أنه صُدم من عدم استقبال كبير المانحين وصاحب المكرمات له، إلاّ بشروط يراها هو أنها غير كافية لضمان استدارته، فوقف وسط المعمعة القائمة يلفه الدخان الأسود المتصاعد من الأرض المحروقة، يزن بميزان الذهب دقة توجهاته المتجددة والمتعددة، فرأى أن الأجدى له ألاّ يلبي الانكفاء الذي طلب منه، ولم يقبل بأن يسحب أبواقه من أرض المعركة لأنها ما زالت تتصدّر عوالم تزييف الحقائق المرئية والمسموعة والمكتوبة وتخدم في الوقت ذاته غايات وغايات لا علاقة لها بحقيقة مجريات الأمور إلاّ مصالحه الشخصية وإقطاعاته كافة، ولأن المكرمة التي كان ينتظرها كانت مشروطة، رفض محاولات الطالبين إليه مساندة مؤامراتهم على الوطن والأمة، لا لارتفاع مستوى الزهد عنده أو الترفّع عن المغريات أبداً، بل لأن «الصفقة» لم تكن مربحة ولن تكون، لعلمه اليقين أن من طالب بإسقاط نظامه وتدمير مقومّات صمود شعبه وجيشه ومقاومته أصبحت كلها عصية عليه وعلى من عقد آماله عليهم ففشل فشلاً ذريعاً وأخذ يهيئ لاستدارة جديدة شيئاً فشيئاً مقدماً لها بإطلالة إعلامية مبرمجة، عاقداً آماله مجدداً على القبول به في دائرة الضوء الإقليمي والدولي، فلم يكن موفّقاً كما يريد، لأن رسائله الأخيرة مجهولة العناوين ولا وجود لها في محور الممانعة والمقاومة، ولو أن المستمعين من أصحاب الشأن لم يعلّقوا على كلامه الأخير ولو بموقف واحد، بل تجاهلوا أوراق اعتماده الجديدة لعلمهم أن ليونة الملامس تخفي في طياتها السم الزعاف.
إذا عرفته أيها القارئ الكريم تجنّبه، وإذا لم تتشرّف بعد بمعرفته عليك بمراقبة حركة الأفلاك والمجموعات الشمسية علّك تراه أو تعرف أين يقيم مضاربه الآن، لأنّ تمركزه السياسي مرهون بأحوال الطقس المتقلبة وبتذبذب البورصات العالمية لتجار الهيكل والصيارفة والمنتجات المصنّعة خارج حدود الوطن.

