إنتخابات.. وأولويّات

يراجع رؤساء الكتل حساباتهم، لم تنتج طاولة الحوار حلولاً سحريّة، وكان الرهان متواضعاً منذ البداية حول جدواها، ولم تقدّم الدول المشجّعة الكثير، واقتصر دعمها على المواقف الإعلاميّة، حتى السلاح الذي اعتبرته القضيّة الأولى، فلا هي وفّت بالتزاماتها في تسليح الجيش، ولا شجّعت الجهات الدوليّة النافذة على تسليحه، ولا قدّمت جديداً للفلسطنيين لتسهيل معالجة قضيّة السلاح خارج وداخل المخيّمات، وساهمت، ولا تزال في تأجيج الحملة على حزب الله، لكن من دون أيّ خطة واضحة المعالم لاحتواء سلاحه، وحتى الوعود التي كانت قد قطعت في مرحلة سابقة لمواكبة طاولة الحوار، والمساعدة على معالجة مسألة الحدود مع سوريا، قد ذهبت أدراج الرياح، بدليل أنّ الانتهاكات تتكرّر إن من جيش النظام، أو من شقيقه "الحر"، من دون أن يحرّك أحد ساكنا، باستثناء بعض التعليقات التي تصدر من هنا أو من هنالك.

ويراجع رؤساء الكتل حساباتهم، وإذ بالإنجازات متواضعة، والبلد على شفير الإفلاس، والمال غير متوافر لإغداق الخدمات على الناخبين، وإغراق النافذين وأصحاب المفاتيح بالمشاريع، هناك أزمة اجتماعيّة – معيشيّة خانقة، ووعود رسميّة أشبه بطاحونة نسمع جلبتها ولا نرى طحينها.

ويراجع رؤساء الكتل حساباتهم، فإذا بالهيئات الاقتصاديّة تدقّ ناقوس الخطر، وتهدّد بالنزول الى الشارع.

وعندما تتحرّك الهيئات الاقتصاديّة، فهذا يعني أنّ الزراعة والسياحة والتجارة والصناعة في مأزق، إنّه الإفلاس الصعب خصوصاً عندما يتصحّر الفكر، ويعجز عن استنباط الحلول للمشاكل التي أصبحت مصيريّة بامتياز.

ورؤساء الكتل لا يخطئون في حساباتهم، خصوصاً في زمن الانتخابات، والكلّ مهتم، والكلّ معنيّ في اكتشاف القانون، والحصّة أو الكوتا التي يوفّرها لكلّ منهم، فإذا كانت إيجابيّة ومقبولة عندها يمكن التفكير في الطريقة السَلسة التي تؤمّن مروره سالماً في مجلس النوّاب، وإلّا فالتطلّع الى غيره ربّما يكون أفضل منه. وقطعاً لم يعد هناك من 8 أو 14 آذار، ولا موالاة أو معارضة، بل لعبة مصالح، وعندما يؤمّنها قانون انتخاب، عندها يكون إجماع من الجميع على التصويت الى جانبه.

وما يجري الآن على مستوى اللجان النيابيّة المشتركة ما هو سوى ضجيج انتخابي مطلوب في هذه المرحلة، لحثّ الخارج الذي "يمون" على التدخّل في الوقت الذي يراه مناسباً، وهذا الوقت لم يحِن بعد لأنّ حسابات الخارج مغايرة تماماً لحسابات رؤساء الكتل النيابيّة. حساباته قانون انتخاب عصري يطوّر الحياة السياسيّة، ويحرّر الناخب اللبناني من المال السياسي، والرشوة، والضغط الطائفي والمذهبي، في حين أنّ حساباتهم تتوافق مع قانون يؤمّن الكوتا لهذا القطب أو ذاك، حتى ولو كان ذلك على حساب النزاهة والشفافية.

حساباته لا تقتصر على الانتخابات بل على فاتورة التحدّيات وأثمانها الباهظة. في حين أنّ حساباتهم تقوم على " الأنا" أوّلاً، وعندما تتخم " الأنا"، يفكّرون في ألـ" نحن".

وما بين حساباتهم وحسابات زعمائنا يذهب الوطن فرق عملة، خصوصاً بعدما أصبحت سوريا قبلة العرب والمسلمين، لا بل العالم بأسره، حساباتها جارية، وفي كلّ يوم ومع مطلع كلّ شمس عندها جديد، في حين أنّ حسابات زعمائنا جامدة، ونتائجها معلّقة بحبال رياح التطوّرات، وإذا صدقت المواعيد فليس قبل أيّار أو حزيران المقبلين، ومن الآن وحتى ذلك التاريخ يخلق الله ما لا تعلمون ليس فقط بشأن سوريا ومصيرها ومستقبلها، بل بمصير ومستقبل ملفّات تهدّد الكيان والصيغة والعيش الواحد، أوّلها السلاح، واللاجئون، وآخرها احتمال وصول جماعات متطرّفة إلى مراتب الحكم في دمشق، بحيث تفتح، وفي وقت تحسن اختياره، معركة ثأر، وتصفية حسابات مع حزب الله، وتحالفاته، على خلفيات مذهبيّة.

وبين حسابات رؤساء الكتل، وحسابات الدول، تتغيّر المفاهيم والاعتبارات. حساباتهم أنّ الانتخابات لا تغيّر سلّم الأولويات، وحساباتنا أنّ الانتخابات بدأت تتصدّر سلّم الأولويّات، مع فارق أنّ في الأولويات لنا رأي، ولكن ليس عندنا القرار، ويخشى أن تكون الانتخابات مماثلة للأولويات بحيث يكون لنا رأي في قانون الانتخاب، فيما القرار عند غيرنا وقد يأتي في اللحظة التي يحدّدها الخارج.

حسابهم جاري، وحسابنا على وقع المعجّل المؤجّل، إنّه وطن المعجّل المؤجّل، كلّ ملفّ فيه، كلّ قضيّة سواء أكانت مطروحة على طاولة الحوار، أو خارجها، هي معجّلة مؤجّلة، إلى أن تأتي الإيحاءات الخارجيّة بكلمة السرّ السحريّة، فهل يكون الاستحقاق الإنتخابي في الـ 2013 بحكم المؤجّل، أو المعجّل لكي يكون بداية الخلاص؟.  

السابق
بري يتصرّف على أساس أنه “ملك الاستحقاق”
التالي
عن فيتو الفقهاء في العراق!