لم يحصل أن أُقرّ في لبنان يوماً منذ الاستقلال عام 1943 وحتى الآن، قانون انتخابيّ يمكن أن يُبنى عليه لبناء دولة عصرية تليق باللبنانيين وتُخرجهم من المصالح الطائفية والحزبية الضيقة إلى المصلحة الوطنية الجامعة التي يفترض أن ترعاها دولة لا تفرّق بينهم أيّا كانت طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم.
فوثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ"اتفاق الطائف" التي حدّدت ماهية القانون الانتخابي الذي يحقّق صحّة التمثيل الشعبي في الندوة النيابية لم تنفّذ بالدقة المطلوبة حتى الآن، وإنّما اعترتها استثناءات كانت ولا تزال السبب الرئيس الذي يحول منذ العام 1992 وحتى اليوم دون إقرار مثل هذا القانون، لأنّ مصالح السياسيين ما تزال تطغى على المصلحة الوطنية.
وفي مناسبة النقاش الدائر في ما هو مطروح من مشاريع انتخابية تحضيراً للاستحقاق الانتخابي المقرّر أواخر الربيع المقبل، يتوقّف البعض عند الخطاب السياسي لقوى 14 آذار الذي يقول إنّ "الربيع العربي" انطلق من لبنان في 14 آذار 2005، فيما يُسجّل لقوى 8 آذار موقف مغاير من هذا الربيع لا يلتقي في جوانب كثيرة مع 14 آذار والعكس صحيح.
فإذا كان الربيع العربي هو نذير بإندفاع الشعوب العربية للوصول الى الحرية والديموقراطية والتخلص من الأنظمة المستبدة، حسب رأي 14 آذار، فإنّ البعض يسأل كيف يستقيم منطقها هذا مع منطق العودة بلبنان عشرات السنين الى الوراء عبر ما تطرحه حاليّاً من مشاريع قوانين انتخابية تمعن في إغراق لبنان في الطائفية والمذهبية واحتكار التمثيل وتكريس الإقطاعات السياسية.
وإذا كان قانون 1960 النافذ حاليّاً والذي اجريت الانتخابات النيابية عام 2009 على اساسه وأنتج المجلس النيابي الحالي، قد أعاد لبنان 60 عاماً الى الوراء باعتراف القاصي والداني، فإنّ قوانين الدوائر الصغرى المطروحة تعيده اكثر من 70 عاما إلى الوراء.
فأيام الرئيس الراحل بشارة الخوري عام 1943، اي سنة الاستقلال، كان عدد اعضاء المجلس النيابي 77 نائباً انتخبوا على اساس الدوائر الكبرى باعتماد المحافظات دوائر انتخابية، وتكرّر الأمر في انتخابات 1947 وبقي عدد النوّاب 77 نائبا. ولكن عام 1951 خفّض الخوري عدد النواب الى 55 نائباً واعتمد الدوائر الكبرى ولكن اقلّ من المحافظة.
ولكن الرئيس كميل شمعون بادر عام 1952 الى تخفيض عدد النواب الى 44 نائباً وتمّ انتخابهم على اساس الدوائر الصغرى، وكانت بيروت يومها خمسة دوائر، وعام 1957 بادر الى زيادة هذا العدد الى 66 نائبا، معتمدا الدوائر المتوسطة وكانت غايته يومها اسقاط الزعيم الراحل كمال جنبلاط في جبل لبنان عبر إعتماد الشوف واقليم الخروب دائرة انتخابية.
غير انّ الرئيس الراحل فؤاد شهاب رفع في عهده عام 1960عدد النواب الى 99 نائبا، معتمدا الأقضية دوائر انتخابية، وظلّ هذا القانون معمولاً به حتى آخر انتخابات اجريت قبل الحرب الاهلية عام 1972، وظلّ مجلس النواب منذ العام 1975 يمدد لنفسه حتى العام 1992 حيث أُجريت أوّل انتخابات بعد الحرب على اساس اتفاق الطائف الذي أقرّ في اجتماعات النواب في مدينة الطائف السعودية في خريف 1989.
وفي انتخابات 1992 رفع عدد النواب الى 128 نائباً واعتمدت فيها الدوائر الكبرى، أي المحافظات الخمس التي يتكوّن منها لبنان، ولكن على اساس النظام الاكثري، واستثني من ذلك محافظة جبل لبنان التي قُسِّمت مجموعة دوائر نزولاً عند رغبة ومصالح بعض السياسيين وفي مقدّمهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وتكرّر الاستثناء وتوسّع ليشمل البقاع في انتخابات 1996 حيث قُسِّمت محافظة البقاع الى ثلاثة دوائر.
أمّا عام 2000 فأقرّ قانون سمّي يومها "قانون غازي كنعان" وتكرّر بموجبه الاستثناء في البقاع وجبل لبنان وتوسّع هذه المرة ليشمل بيروت التي تم تقسيمها الى ثلاثة دوائر، ثم اعتمد هذا القانون عام 2005 وصولاً الى انتخابات 2009 التي أُعيد فيها إعتماد قانون 1960 الذي يعتمد القضاء دائرة انتخابية واحدة، وقد اعتبر كثيرون ذلك عودة بلبنان 60 عاما الى الوراء، وهو قانون ما يزال نافذاً حتى الآن، ويمكن ان تجري الانتخابات المقبلة على اساسه في حال لم يتمّ إقرار قانون جديد.
وتطرح قوى 14 آذار حاليّاً ثلاثة مشاريع قوانين انتخابية في مواجهة مشروع الحكومة الذي يعتمد النظام النسبي، وهي مشاريع تتناقض مع المنطق الآذاري القائل بأنّ "الربيع العربي" انطلق من لبنان، وأنّه يبشّر بإنتشار الحرية في العالم العربي وقيام الأنظمة الديموقراطية فيه على أنقاض الأنظمة المستبدة.
– المشروع الاوّل يقول بأن تنتخب كل طائفة نوابها (المشروع الارثوذكسي)، وهو مشروع ينضح عنصرية وطائفية، وهو معيب ومسيء لصورة لبنان امام العالم.
– المشروع الثاني الذي يقضي باعتماد الدوائر الصغرى عبر تقسيم لبنان الى 50 دائرة، الى درجة أنّ بعض كبار القوم من السياسيين سخر منه ووصفه بأنّه "رياح الخماسين" وبعث برسائل بهذا الوصف الى بعض اصدقائه، قائلاً لهم: "إحذروا رياح الخماسين"….
– المشروع الثالث، هو الإبقاء على قانون 1960 الحالي الذي ينادي كثيرون بوجوب الخلاص منه، وعلى رأسهم مرجعيات رئاسية وسياسية أُخرى الى جانب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
ويسأل سياسيون كيف يمكن 14 آذار أن توفّق أمام جمهورها والعالم بين مشاريعها الإنتخابية الطائفية التي تُكرّس بقاء لبنان دولة طائفية وبين مناصرتها "الربيع العربي" الذي يُشكّل في رأيها أنّه ثورة تستهدف التغيير وإقامة أنظمة الحرية والديموقراطية التي تحترم حقوق الانسان؟

