ليس تفصيلاً عابراً ان يطلق التونسيون اليوم على رئيسهم تسمية «طرطور» ويستعيضوا بها عن اسمه او لقبه. في الجلسات العامة والخاصة على السواء، لا يتوانون عن القول بصوت مرتفع جاء الطرطور، ذهب الطرطور… سافر الطرطور إلى لامبيدوزا ليلقي إكليل زهر مكان غرق عبّارة تقل مهاجرين غير شرعيين، فيما البلد غارق في تداعيات احداث السفارة الاميركية!
وبالإضافة إلى كون السخرية من الرئيس ورموز السلطة وأحد المحرمات التي كسرها التونسيون بعد الثورة، إلا أنها في هذا السياق تأتي مصحوبة بالكثير من المرارة والانتظارات التي لم تتحقق. فالطرطور في اللهجة التونسية تعني قبعة أو طربوشاً، وبهذا المعنى يرى التونسيون أن رئيسهم يقدم غطاء أو مظلة لحزب النهضة الحاكم فيما هو في الواقع منزوع الصلاحيات ولا يمثل الشريحة التي كان يفترض أن تشكل ائتلافاً حاكماً بعد الثورة الى جانب الاسلاميين. فصحيح أن التيار الاسلامي المتمثل في حزب «النهضة» وصل الى السلطة عبر صناديق الاقتراع، إلا أن الصحيح أيضاً أنه لم يحصد الغالبية الساحقة من الاصوات، في شكل يتيح له التفرد بالحكم كما هو الحال اليوم.
وتتجاوز الانتقادات التي تواجه النهضويين تعيينهم رئيساً منزوع الصلاحيات، وفي موقع اقرب ما يكون الى منصب فخري الى استئثارهم بالسلطة، وفشلهم في ادارة امور الدولة ناهيك عن تطبيقهم ممارسات قامت الثورة لأجلها.
فأحداث القنصلية الاميركية مثلاً والتي راح ضحيتها 4 قتلى ونحو 47 جريحاً جاءت برأي كثيرين نتيجة طبيعية لما يحتقن في الشارع منذ فترة غير وجيزة، وأنها ما كان يمكن ان تحدث لولا غض طرف من وزارة الداخلية. تلك مسألة غير بسيطة، فالغزل المعلن حيناً والمضمر حيناً آخر بين السلفيين والنهضويين بات يؤرق المواطن التونسي العادي ويقلقه بشأن تفاصيل حياته اليومية من أمن وعمل وتعليم. هذا ولم تتغير ممارسات النظام السابق من قمع للحريات، وإصدار لائحة سوداء بأسماء اعلاميين لفقت لبعضهم تهم آداب، وتجاوزات في مراكز الشرطة والسجون، ومزيد من التدهور الاقتصادي وصولاً إلى تعيينات قضائية ونقابية وتغلغل في مختلف مفاصل الدولة حتى ان اقتضى الامر إنشاء مؤسسات موازية.
ولعل النهضة، كما الإخوان المسلمون في مصر، لم تستعدّ فعلياً للحكم وادارة المؤسسات وتسيير الدولة بفعل سنوات من العمل السري والقمع في السجون والالتصاق بالشارع، كما انها اليوم في مأزق يحتم عليها الاختيار بين الوفاء لخطاب جيشت به القاعدة الشعبية من جهة، وبراغماتية يفرضها الحكم من جهة أخرى، ولعل النهضة افترضت أنها باختيارها «مظلة» من خارجها ستحقق ذلك التوازن، سيبقى عليها ان تجيب عن سؤال شابة: «ماذا يفيدني ان أصرخ بملء صوتي ان الرئيس طرطور… ولا يمكنني ان أنتقد أداء شرطي؟».

