تستلقي إلى جانبه نائمة. يغزو مُحَيَّاها بعينيه. يتأمَّل جفونها الغافية. يوسِّد خدها في كفِّه. ينحاز إبهامه ليداعب المنطقة الواقعة تحت عينها اليمنى. تستحوذ تلك المنطقة على انتباه كلّ حواسه. يمرّر أنفه ليعبق من عطر تنينها. تبتسم، تفتح عينيها وتنظر إليه: «ماذا تريد من تنيني؟». يسألها: «لم اخترتِ وشم التنين على وجهك؟». تجيبه: «كان المكان الوحيد الذي لا أُضرَب عليه».
جسد ينتفض لقضية
يُخرِس وخز الإبرة المبللة بالحبر صمت جسده. يشدُّ يد صديقته لتخفف عنه الألم الذي دام أكثر من نصف ساعة. يركّز نظره في عيني طه (الواشم). يحاول استقراء رضاه على الوشم. اختار رسمة تعود للتراث الياباني لأنها تجلب الحظ. يُنهي طه آخر وخزات الإبرة. يغلف اللوحة المسقولة على كتف محمود الأيمن. ينهض محمود من مكانه. يتفحَّص الوشم في المرآة. يبتسم. يتوجه إلى الكنبة. يشعل سيجارته، ويدخنها بصمت.
أشعل بوعزيزي الثورة في تونس باشتعال جسده. قدَّم أقصى ما يملك لاختناقه بوجعه.
يشتعل جسد الموشوم بفكرة يؤمن بها حدَّ التطرُّف. تولد وشماً بين مسامات جلده. يستقر الوشم حيث شاء له أن يكون. يحميه كملاكه الحارس. يطوّقه كهالة مضيئة. يكتب الموشوم على بشرته كأنما يصنع من جسده كتاباً أو لوحة.
ينحاز طه سمّور (31 سنة) لفن الوشم باعتباره أفضل وسيلة للتعبير وأقصاها. يشكّل ذلك، دافعاً أساسياً لرفضه طلب بعض الزبائن وشوماً يضعها ممثلون أو فنانون. «الوشم فكرته أعمق من تقليد أحد المشاهير الذين لا نعرف عنهم أكثر مما تتناوله وسائل الإعلام». يستمع طه لفكرة الزبون. يناقشانها معاً. يضعان الخطوط الأساسية، ويتوافقان على شكلها النهائي. ثم يقوم طه بصقلها على إحدى مساحات بشرته، بعد أن يتعرّف على طبيعة البشرة من الوخزة الأولى للإبرة، شارحاً للموشوم عن الألم الذي ينتظره.
بدأ طه بتعلم فن الوشم من وشمه الأول الذي حصل عليه. ساعدته دراسته للرسم في ذلك. تكفّلت ثلاث سنوات من الخبرة ليصبح له الاستديو الخاص به. صاغ خلال هذه السنوات هوية له باختياره مدرسة الخط العربي وفن الزخرفة العربية.
يرفض طه وجود موضة معينة للوشم إن من حيث الرسم أو موضعه. في المقابل يؤكد أن فن الجسد يوحي بالإغراء، والوشم أحد الأساليب المتبعة. كذلك، يحاول تصحيح المفهوم السائد للموشوم باعتباره «زعوري» أو «خرّيج حبوسي».
وجع يحترق
ينزعج خالد من نظرات الناس إلى نبتة «الماريغوانا» المرصوصة على سلسلة ظهره، إذ تتهمه نظراتهم بأنه «زعوري»، وتتهامس الشفاه: «أكيد بيتعاطى». لا ينكر الشاب العشريني أنه لجأ إلى النبتة في عمر السابعة عشرة. ساعدته حينها في إغفال بعض المشاكل. «الماريغوانا» هي الوشم الثاني الذي حصل عليه خالد عبد الرضا. خطوته الأولى كانت وشماً قِبَلياً على ساقه اليمنى. اعترض أهله في بادئ الأمر، لكنهم نسوا بعد فترة.
يستلذ خالد بوجع الوشم. يحب اختراق الإبرة لجسده الخام. أضاف إلى جسده خلال شهر ثلاثة وشوم: نجوم أربع على كتفه الأيمن، ورقة لعب «قص» تحترق، وتصميم قِبَلي. تحترق ورقة القص عليه لكراهيته للقمار. أفسد القمار حياة أحد أقربائه. ينوي الشاب العشريني إضافة وشم خامس. يرجح كلمة «الحرية» باللغة الانكليزية لأنه يطمح دائماً لها.
حب أبدي
يطير طائر الجنة كيفما تنساب يد رشا. يستقر على معصمها الأيمن. يمثل الطائر رمزاً لأرض أحلام رشا حجازي: دولة بابوا غينيا الجديدة المستقلة. لم يكن اختيارها له عشوائياً. عند سؤالها عن الدافع لوشمه على جسمها، تحفظت عن الإجابة. ابتسمت لتقول إنه أمر شخصي جداً. وشم الطائر بثَّ فيها روحاً قويةً لتنهض مجدداً إلى الحياة. أول وشم لرشا (24سنة) كان هدية حبها الأول. أرادته ظاهراً ليراه الجميع. كانت تبلغ من العمر 10 سنوات. أما اليوم، فتطوّق خصر رشا ذراعا خطيبها. تمتلئ كفه بخصرها الأيمن لما وشمته هي: «إلى اللا نهاية»، وأكمله هو على خصره: «وما بعدها»، باللغة الانكليزية.
لزينة وشمها الخاص أيضا. تنحني لتلتقط ما سقط منها، فينجلي أسفل ظهرها على ما خبأت فيه. تظهر أنثى تنين مغرية ومرعبة. اتفقت وصديقها على وشم التنين الذي حصل بدوره على الذكر منه. تفكر زينة حكيم بالوشم المقبل، إذ ستغطي به وشمها الأول لوجهين أحدهما يضحك والآخر يبكي. خُطَّ تحتهما: «اضحك الآن وابكِ لاحقاً». فعلاً، فرحت زينة بوشم التنين لأنه وطّد روابط صداقتها. أبكتها الحياة بعد فترة لارتحال صديقها مع الموت. تعاين اسمه على معصمها لتستفيض ذاكرتها به: «رامي»، يعلو اسمه حلقة الملائكة، لإيمانها به.
هواية.. وإعجاب عابر
صنع فيروز (24 سنة) ماكينة الوشم الخاصة به. يبتاع حبرها من أية مكتبة. يتخذ الوشم هواية. يلجأ إليه رفاقه عندما يريدون وشماً ما. تدرب على الرسم شيئاً فشيئاً. بدأ بوشم نفسه. أوشامه ألوانها باهتة وخطوطها غير دقيقة. تتشارك مسامات جلده التنفس مع 24 وشماً. دقَّ له أحد رفاقه رسم الشيطان وحيّة على ظهره. كتب اسم حبيبته على يده. في حال انفصلا، سيحرق يده ليتخلص منه!
انفصل علي حدرج (22 سنة) عن حبيبته وكان قد وشم اسمها على صدره. سيبقى الوشم على حاله لأنه عزم على أن يجد فتاة بنفس الاسم. تعلو زند علي جمجمة موشومة بدقة. تدرك بوضوح أن الواشم مختلف. يعترف علي أنه اضطر إلى دفع 200 ألف ليرة ليحصل عليها، إذ رسمت فوق وشم قديم لم يفلح رفيقه «المحبحب» في دقّه له. يخدعك وشم الصليب المحاط بالشمس على الكتف الأيمن. تعتقد أن له دلالة دينية، لكن علي لا يربطه بالوشم سوى إعجابه بتصميمه. يمنحه الوشم شعوراً بالتميّز.
متعة التجربة
تنظر إلى وجهها في المرآة، تحدّق بحاجبيها. تلمع الفكرة في رأسها: «سأبرزهما أكثر.. سأملأ فراغهما بالوشم». يمر والدها بجانب غرفتها. يسمعها تحدث نفسها فيحسم الخيار: «شيلي الفكرة من راسك!». لم تيأس يُسُر شهاب (24 سنة) من رفض والدها. تتوجّه إلى صالون التجميل. تسأل عن الأوشام وتتخذ قرارها.
طلبت «دقّ» وردةٍ على ظهرها. كانت تبلغ من العمر عشرين سنة. أرادت خوض التجربة. انزعج خطيبها، حينها، من فكرة بقائه الدائمة. تزوجا، وتعوّد عليه الآن. لا يشكل فرقاً وجود الوردة وعدمه.. سيظل يدقّ وشم شفتَيه على أحد كتفيها.

