على ذمّة الراوي، هذه القصة حدثت قبل أعوام قليلة. وعلى ذمّة بطلها، فقد اختبر في يومياته ما كان يعتقد أنه يحصل فقط في الروايات. ولكن، ما الغريب في نزول القصص من الرفّ إلى أرض الواقع؟ أليست الروايات بشخوصها، بلحمهم ودمهم، تتنفس من هذه الأرض، وتعيش انكساراتها وانتصاراتها؟
كانت الساعة تشير الى السابعة مساء. في ذلك السهل الشاسع، كان يروي شتوله التي ينتظر نموّها بفارغ الصبر. هي حياة بسيطة ورتيبة، قرر أن يستمتع بها رافضاً أي عرض مغر قد يلهث وراءه أبناء جيله، في المدينة أو في الخارج. لم يمضِ عامان على زواجه، وما زال وزوجته قادرين على الأحلام في مكان لا يتسع للكثير منها. الحياة بالنسبة إليه، هي تلك الجرعات الزائدة من الشاعريّة والرومنسيّة. بماذا سينفعه المال، إذا لم يكن سعيداً؟ وزوجته التي كانت تعلم بما يفكر به منذ البداية، لم يجبرها يوماً على انتهاج أسلوب عيشه. لكنها أحبته وراقت لها اقتناعاته. رضيت بها، فتذوقت لذّة واكتفاء يعوضانها عن أي حرمان، قد يولد في ظروف مماثلة.
وفيما يهمّ لريّ الشتلة الأخيرة، سمع أنيناً من بعيد. تابع مصدر الصوت: رجل مضرّج بالدماء، ورأسه على مقود سيارة اصطدمت بشجرة كبيرة.
في العيادة البسيطة في القرية، لدى الطبيب الذي بات متخصصاً بكل الأعراض والأمراض… الإسعافات الأوّلية كانت كفيلة بإنقاذ حياته. ما الذي أتى به إلى هذه القرية النائية؟ هو أيضاً طبيب، لكنه مستثمر ورجل أعمال من الطراز الأول. المكان الذي يقصده يبعد من مسرح الحادث نحو ساعة ونصف الساعة. هناك، يريد معاينة أرض سيشيّد عليها منتجعاً سياحيّاً، يراهن أنه سيجذب الكثير من الزوار، نظراً إلى الطبيعة الاستثنائيّة في المنطقة. لكن الموعد تأجل، ريثما يتماثل تماماً للشفاء.
الأيام الثلاثة التي أمضاها في منزل صديقنا وزوجته، لم يعش مثلها من قبل. كان بإمكانه أن يعود إلى المدينة أو أن يقصد فندقاً من فنادق المنطقة، لكنه استساغ عاطفة ذلك المنزل ودفئه…
في الليلة التي سبقت موعد رحيله، كان من السهل عليه أن يقلب حياة تلك العائلة رأساً على عقب. لا أحد يعلم كيف تمكن من التأثير فيهما إلى هذا الحد. فجأة، تبدلت اقتناعات الزوج. راح يحلم بفرصة عمل في مشروع ذلك الرجل، وبحياة يستحيل أن تكون سعيدة – بعد اليوم – من دون المال. فجأة، نهض حرمان الزوجة من سباته، ولم يعد كل حنان العالم قادراً على التعويض. بدأت أحلام الزوجين تخرج من إطارها الضيق في ذلك المكان حيث يعيشان. انتشى الزوج. خرج ليحضر بعض الحطب. نهضت الزوجة، أرادت أن تحضر طعام العشاء. أمسك بيديها، اقترب منها. اقترب أكثر، وهمس: نعم، كل أحلامكما ستتحقق مقابل ليلة واحدة فقط!

