لا يمكن قراءة أهداف زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى مصر إلا من خلال معرفتنا أن الموقف الاميركي إزاء التغيير الحاصل في مصر كان محسوما منذ انطلاقه، وأن الموقف السابق لكلينتون حول «الثورة المصرية» وتصريحاتها في الـ26 من يناير 2011 لا تزال في الذاكرة. لكن توقيت زيارة كلينتون في هذا الوقت لمصر يشير إلى نوايا أميركية غير سليمة من هذه الزيارة، خصوصاً أن بعض الانباء تحدثت عن وجود إملاءات اميركية وتدخل في تشكيل الحكومة المصرية الجديدة.
في ضوء ذلك، فإن زيارة كلينتون الى القاهرة والتقاءها بالرئيس محمد مرسي لم يأتيا من فراغ، فالزيارة استكشافية من جهة، وتأكيد على ثوابت السياسة المصرية التي تم تكريسها في عهد أنور السادات والمخلوع مبارك. وتتلخص هذه السياسة بالحفاظ على أمن «إسرائيل» واستمرار معاهدة كامب ديفيد المشؤومة. وهذه هي أهداف مباحثات كلينتون والقيادة الأميركية التي تتقدمها العلاقة المصريّة – الأميركيّة.
فقد شدّدت كلينتون على الجهود الأميركية المتواصلة لدعم «السلام الشامل» والوقوف بجانب مصر في مرحلة التحول الديمقراطي. فيما أكد مرسي على أن «السلام الشامل» يدخل في نطاق المعاهدة «الاسرائيلية» المصريّة حيث أكد وزير الخارجية المصري على اعتراف مصر بدولة فلسطينية وفق الحدود المرسومة عام 1967، ولم تخل زيارة كلنتون من الاعتراض الشعبي حيث احتج المتظاهرون أمام قصر الرئاسة على هذه الزيارة مطالبين باسقاط الهيمنة الأميركيّة، وهي تظاهرات تؤكد أن أحد أسباب الغضب الشعبي الذي صب على نظام الرئيس المخلوع كان خضوعه الكامل للإدارة الاميركية.
وفي سياق متصل، التقت كلينتون رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي وحثته على ضرورة عودة الجيش المصري إلى اقتصار مهامه على حماية الأمن القومي والحفاظ على «كامب ديفيد».
كما وأعلنت كلينتون دعم الولايات المتحدة للاقتصاد المصري وذلك إثر قيام الرئيس الأميركي باراك أوباما بإلغاء مليار دولار أميركي من الديون المصريّة المتوجب دفعها إلى أميركا.
و من جانبها نفت كلينتون لعب دور الوسيط لتعزيز العلاقة الثنائيّة بين مصر و»إسرائيل»، مؤكدةً أن التدخل غير لائق، مستدركةً ً المسيرة التواصليّة بين الشعوب و ضرورة إلتماس الحوار السلمي كحل بديل.
زيارة كلينتون لم تكن زيارة داعمة للإدارة المصريّة الجديدة و إنمّا لمواصلة العلاقة الإستراتيجيّة مع مصر و ذلك بالاعتماد على الأسس القديمة باعتبارها حليفاً ذا علاقة وثيقة منذ حكم المخلوع حسني مبارك. بالإضافة الى ذلك ظهر فحوى الزيارة كوسيلة غير مباشرة للتدقيق بمعرفة السياسة المصرية الجديدة و كيفية تطبيقها و النظر في أساليب الحكم الوليد حديثًا.
لكن الاشتباه بزيارة كلينتون يبقى في دائرة التداول، حيث غادرت كلينتون مصر باتجاه فلسطين المحتلة لتجتمع اليوم مع رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس و رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو.
هو توقيت يثير شكوك الرأي العام حول السياسة الأميركيّة و يوضح الانحياز الأميركي المطلق لـ»إسرائيل»، واعتبار مصر حليفاً استراتيجياً ليس أكثر.
لا تقتصر التساؤلات حول توقيت اللقاء المصري ـ الأميركي فقط، وإنما تذهب الى العمق على صعيد التضارب في تصريحات مرسي المشتبه بها والتي تشير فيها إلى الحفاظ على سيادة البلاد و تحقيق مطالب الشعب. فهل تأكيده على الالتزام بمعاهدة «كامب ديفيد» يبلور هذا النوع من السيادة أم أن هذا الالتزام يدور حول العلاقة «المحجوبة» بين الإخوان و»إسرائيل»؟

