في دفاع المقاومة الثابت والمستمرّ عن امتلاكها السلاح، وظيفةً ومهمةً، قوّة منطق لا قوّة تعالٍ وتكابر وتعاظم وتخويف حيال الآخرين، مهما حاول المتأمركون و»المتأسرلون» وغلاة «اللبنانيا» تصوير هذا السلاح على أنه لغلبة فريق على فريق، أو طائفة على طائفة، أو طائفة على باقي الطوائف، وأنه يخلّ بالميزان الوطني ويمنع قيام الدولة ويُستعمل في اللعبة السياسية وفي الانتخابات وينافي الديمقراطية ويقحم لبنان في صراع المحاور ويُلحقه بالمشروع الإيراني وبولاية الفقيه، إلى ما هنالك من اتهامات وأحكام على النوايا، قافزين فوق الوظيفة الأساسية التي جُمع هذا السلاح لأجلها والمهمة الوطنية بامتياز التي طُوّر لإنجازها.
ما يطلبه هؤلاء بناء على المطلوب منهم أميركياً وأوروبياً، و»إسرائيلياً» بشكل مباشر أو عبر التقاء «المصالح» والخطاب السياسي!، هو التركيز عبر «ماتراكاج» سياسيّ ـ إعلامي على مسألة «نزع سلاح المقاومة» أو «إلغاء سلاح المقاومة» أو في الصيغة الألطف في أفضل حال «تسليم المقاومة سلاحها إلى الدولة»… حتى بات هذا المطلب الأميركيّ الصهيونيّ شعاراً مرفوعاً باستمرار دون سائر الشعارات، له الأولوية المطلقة، ولا حلّ لأيّ قضية وطنية قبل حلّه(!) بل لا بحث في أي مسألة، سياسية أو انتخابية أو مطلبية اجتماعية أو وطنية مهما تكن طارئة وملحّة، قبل معالجة موضوع السلاح…! وهذا وحده يدعو إلى الريبة والظنّ والبحث عما وراء الأكمة، وسط الحراك العنيف الحاصل حولنا وعندنا وفي ظهرانينا.
يقول المنطق:
ـ لم يظهر سلاح المقاومة إلاّ بعد عقود طويلة من معاناة أهل الجنوب وغيره من المناطق اللبنانية، من اعتداءات «إسرائيل» على القرى والأراضي والمزارعين الفقراء، ثم احتلال الأرض وتجنيد عملاء، بلوغاً إلى الاجتياحات المتعددة ووصول بعضها إلى بيروت، وانتهاء بحرب تموز الإجرامية التي ذهب ضحيتها أطفال وعائلات بأكملها وأفضت إلى الانتصار التاريخي الساحق للمقاومة. وهذا الواقع مستمرّ منذ 1948 إلى اليوم، وليس مرتبطاً البتّة بأي فعل أو حركة أو مبادرة تقدم عليها المقاومة، بل إن المبادرة إلى العدوان هي دوماً في يد «إسرائيل» مهما حاول البعض تحريف التاريخ وتزويره أو ملاءمته مع خطابه المشبوه. الحقيقة ثابتة والتاريخ واحد بالوقائع والوثائق والشواهد.
ـ الموت والشهادة لا يمكن أن يكونا هدفين لأي فرد أو جماعة، بل هناك مجرّد استعداد لهما عند الضرورة دفاعاً عن الوجود والأرض والوطن والأهل، وعن كرامة الإنسان وتشبّثه بأرضه وانتمائه ورزقه وبيته وذاكرته وحاضره ومستقبله. لذا لا يمكن، منطقياً وإنسانياً، تعيير مواطنين شرفاء وشجعان ومستعدّين للشهادة بأنهم أي شيء آخر سوى أنهم أبطال مؤمنون بأرضهم ووطنهم وشعبهم. لا يمكن أن تكون الشهادة «هواية» أو «غواية» ولا حتى «وعداً بالجنة» فهذا الأخير مسألة إيمانية، كوعد المسيحي بالحياة الآخرة وبملكوت السماوات، وليست شهادة لأجل الشهادة أو تفضيلاً للموت على الحياة.
ـ سلاح المقاومة المخبّأ هو سرّ قوّتها وقوّة لبنان الردعيّة، فمتى أضحت أماكنه معروفة، مكشوفة، محدّدة، لدى تسليمه (مثلاً) إلى الجيش اللبناني، تبطل فاعليته ويغدو هدفاً سهلاً جدّاً لعدو شرس ومجرم ومدمّر مثل «إسرائيل» قادر على قصف أماكن وجوده في الثكن والمخازن التابعة لجيش نظاميّ طبيعته مكشوفة وغير سرّية عامّة. ولبطلت مع بطلان فاعلية السلاح المخبأ فاعلية حرب العصابات التي يخوضها المقاومون، خلافاً لأسلوب قتال الجيش غير المعدّ أساساً لمثل تلك الحرب. الأسلوبان مختلفان ولعلّ من العسير جمعهما في أسلوب قتاليّ واحد أو حتى التنسيق بينهما، إلاّ إذا كانت المقاومة تملك في استراتيجيتها الدفاعية أفكاراً حول إمكان تحقيق مثل هذا التنسيق بين الجيش والمقاومة مستقبلاً… لو تكرّم أصحاب الشعار المشبوه بمناقشة أفكار المقاومة حول الاستراتيجية الدفاعية، جدّياً ووطنياً، لا وفق إملاءات أسيادهم، من عوكر إلى واشنطن.
ـ «شيعيّة المقاومة» هي حالة محض سوسيولوجية إذ صادف أن غالبية سكان الجنوب اللبناني من الشيعة، وعانى هؤلاء في قراهم وبيوتهم وأرزاقهم الكثير من جرّاء العدوان القديم والمتمادي، فكان حملهم السلاح وانتظامهم العفوي مقدّمة لانتظامهم «الحركيّ» ثم الحزبيّ وتطوّره مع العقود والسنين، وهذا مسار طبيعيّ يمكن دراسته دراسةً اجتماعية وحتى دينية وسياسية، لأن مفهوم الشهادة ساعد كثيراً في تزويد المقاومين مزيداً من الإقدام والشجاعة والبطولة.
ـ لا يمكن عاقلاً أن يكون ضد قوة لبنان في وجه «إسرائيل» إذا كان سلاح المقاومة هو العنوان الأول لهذه القوة، والتصويب عليه واستهدافه هو تصويب على قوّة لبنان ذاتها واستهداف لها على نحو يلاقي حكماً المطلب «الإسرائيلي» (المغطّى بالمطلب الأميركيّ، وهما واحد!) في منتصف الطريق. فهل هو مجرّد «تقاطع مصالح» أم تقاطع غايات وأهداف طائفية، تقسيمية، كانتونية، تفتيتيّة، بمباركة أميركية وتشجيع «إسرائيلي»؟!
كفى هؤلاء إلحاحاً ممضّاً، ليل نهار، وتصويباً مفضوحاً ومكشوفاً على «سلاح المقاومة»، مثل لازمة مضجرة لا يملكون سواها، علماً أنّه بادٍ للعيان أنها لازمة مطلوبة من «المايسترو» الأميركي ليغنّيها «بالدور» كورس «14 الشهر»، مرّة صولو ومرّة جماعياً بصوت واحد، نشاز، وهذا أكثر من جليّ ومؤكّد… لكنّه جهدٌ هباء وصراخٌ في بريّة، لن ينجح ولن يوصل إلى مكان. ينطح أفراد هذا الكورس الخائب صخرة المستحيل.

