على الصورة التوافقية نفسها للرئيس ميشال سليمان، وازن "اعلان بعبدا" بين تحييد لبنان عن صراعات المحاور الاقليمية والدولية ورفض انشاء منطقة عازلة فيه ليطلق وصفة الاجماع على تهيب سائر القوى اللبنانية امام رؤية شمال لبنان تحديدا منطقة استيراد للازمة السورية. فأين "يصرف" تاليا رصيد هذا الشيك الذهبي؟
لنعد ببساطة الى الوقائع الميدانية الافصح من كل التزام مبدئي ونظري. عشية حوار بعبدا كان بعض محطات التلفزة يبث بالنقل المباشر "ثورة الخطف" المذهبي الفاقع في وادي خالد وسهل عكار. ولم ير المشاهدون اثرا لدركي او عسكري او امني شرعي في مشهد مرعب ايقظ الذاكرة على سوابق الخطف الجماعي والفردي. حتى ان خاطفين "اهليين" انتابهم غضب التهديد بخطف عشرات ومئات على الشاشات.
في الخلفية القاتمة الاوسع لهذا المشهد قيل ان شمال لبنان وازن او هو في طريقه الى تحقيق التوازن مع الضاحية والجنوب، ولو باختلاف اللاعبين والشهود. سلاح بسلاح ونفوذ بنفوذ ومذهب بمذهب.
الامر الحسن في اعلان بعبدا انه يعلن ضمنا ان القوى والطوائف اللبنانية على انقساماتها الحادة تأتلف على تقاطع مصالح حقيقية واكثر من مبدئية رافضة لتقديم لبنان ضحية في لحظة بلوغ الازمة السورية انفجارها الكبير والشامل. ولو لم يكن الامر كذلك لما كانت هذه القوى المعروفة بشدة مراسها ومماحكاتها حيال التسويات اتاحت لرئيس الجمهورية تصيد لحظة ثمينة تمكن عبرها من صوغ هذا الاعلان وارساله "برقيا" الى المجتمع الدولي خصوصا انه نجح في تضمينه التزامات قوية لسائر القرارات الدولية المتعلقة بلبنان.
ولكن ماذا بعد الاعلان "على الارض" وعلى الحدود؟
وماذا لو اندفعت "الطوابير الخامسة" لإثبات هشاشة الالتزامات المبدئية في مناطق تأفل فيها سلطة الدولة وتتآكل على نحو خطير؟ وهل يحتمل انذار الرئيس سليمان حيال اقتراب خطر الانزلاق مزيدا من ترف المبادئ وحده؟
ثمة حلقة عملانية مفقودة وحاسمة غداة "اعلان بعبدا" لا تفوت المتحاورين في هدأة الشكل الجامع، ولا تحتمل برمجة للمكاسب المتخيلة او للخسائر المفترضة التي يضرب الافرقاء السياسيون على اختلافهم الاخماس بالاسداس حيالها. وهي حلقة تحرير الجيش والقوى الامنية من عوارض عقدة 1975. ولا يصرف رصيد "اعلان بعبدا" الا بدءا بالحدود اللبنانية – السورية والتعمق منها في كل الاتجاهات و"الغيتوات" واينما قضت الضرورات الامنية، لان ضرورات تصدير الازمة اشتدت على النظام السوري اولا وهو ما يدركه سائر المتحاورين قبل سواهم. وعسى ان يحل موعد الجولة الحوارية المقبلة من دون "اثبات" لهذه الحقيقة لئلا يبقى "حوارا من فوق".

