خرجت جلسة الحوار الوطني التي استؤنفت جلساتها أمس بأجواء إيجابية، عكستها تصريحات المشاركين في الحوار والبيان الختامي للجلسة، الذي ركز على "الالتزام بتثبيت دعائم الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة ودعم الجيش والتمسك باتفاق الطائف والتزام لبنان بالقرارات الدولية، وضبط الحدود اللبنانية السورية".
وفي وقت غاب موضوع السلاح – الذي هو جوهر الخلاف – عن جدول أعمال جلسة الأمس، أوضح قيادي في "14 آذار" من بين المشاركين في الجلسة أن "النقاش لم يتطرق إلى موضوع السلاح". وأكد القيادي الذي رفض ذكر اسمه لـ"الشرق الأوسط"، أن "رئيس الجمهورية (ميشال سليمان) وعد بطرح مسألة السلاح، كل السلاح كبند أول في الجلسة المقبلة في 25 الشهر الحالي". مشيرا إلى أن "فريق 14 آذار طرح على طاولة الحوار مطلب استقالة الحكومة، لأنها باتت جزءا كبيرا من المشكلة الحاصلة في البلد". وأعلن أن "قوى 14 آذار لم تكن متحمسة للمشاركة في الحوار، لكنها آثرت المشاركة بسبب خطورة المرحلة التي يمر بها البلد".
وكانت طاولة الحوار التأمت عند الحادية عشرة من قبل ظهر أمس في القصر الجمهوري في بعبدا برئاسة رئيس الجهورية ميشال سليمان، وحضور كافة أقطابها، لكنها شهدت تغيب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والنائب السابق غسان التويني الذي توفي قبل ثلاثة أيام. واستهلت الجلسة بكلمة للرئيس سليمان، دعا فيها الجميع إلى "الحديث بعقل منفتح بهدف التوصل إلى حلول لأن اللبنانيين يعلقون آمالا على هذا الاجتماع".
وقال: "نحن أمام مسؤولية وطنية ولا مانع من الاتفاق وطرح كل المواضيع على أن يترافق ذلك مع تخفيف حدة الخطاب السياسي والاحتقان"، مؤكدا على "أهمية طاولة الحوار في مواكبة الكثير من الأحداث وضرورة استمرارها لتحصين لبنان".
وفي نهاية الجلسة التي استغرقت أربع ساعات ونصف الساعة، صدر البيان الختامي لجلسة الحوار الوطني، شدد على "التزام نهج الحوار والتهدئة الأمنية والسياسية والإعلامية والسعي إلى توافق على ثوابت وطنية وقواسم مشتركة، والعمل على تثبيت دعائم الاستقرار وصون السلم الأهلي والحؤول دون اللجوء إلى العنف والانزلاق بالبلاد إلى الفتنة وتعميق البحث حول السبل السياسية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف". ودعا البيان المواطنين بكل فئاتهم إلى "الوعي والتيقن بأن اللجوء إلى السلاح والعنف مهما تكن الهواجس والاحتقانات يؤدي إلى خسارة محتمة وضرر إلى جميع الأطراف ويهدد أرزاق الناس ومستقبلهم ومستقبل الأجيال الطالعة". لافتا إلى "ضرورة العمل على تعزيز مؤسسات الدولة وتشجيع ثقافة الاحتكام للقانون والمؤسسات الشرعية لحل أي خلاف أو إشكال طارئ".
وأكد المتحاورون على "دعم الجيش على الصعيدين المعنوي والمادي بصفته المؤسسة الضامنة للسلم الأهلي والمجسدة للوحدة الوطنية وتكريس الجهد اللازم لتمكينه وسائر القوى الأمنية الشرعية من التعامل مع الحالات الأمنية الطارئة وفقا لخطة انتشار تسمح بفرض سلطة الدولة والأمن والاستقرار، بالإضافة إلى دعم سلطة القضاء تمكينا من فرض أحكام القانون بصورة عادلة ومن دون تمييز".
ورأى البيان أنه "يتوجب على جميع القوى السياسية وقادة الفكر والرأي الابتعاد عن حدة الخطاب السياسي والإعلامي وعن كل ما يثير الخلافات والتشنج والتحريض الطائفي والمذهبي بما يحقق الوحدة الوطنية ويعزز المنعة الداخلية في مواجهة الأخطار الخارجية، ولا سيما منها الخطر الذي يمثله العدو الإسرائيلي وبما ينعكس إيجابا على الرأي العام وعلى القطاعات الاقتصادية والسياحية والأوضاع الاجتماعية"، مشددا على "التمسك باتفاق الطائف ومواصلة تنفيذ كامل بنوده على أن ينظر في كل رغبة في التطوير أو التعديل أو التفسير بالتوافق استنادا إلى الآليات الدستورية بعد التهيئة لذلك داخل الأطر المتعارف عليها للحوار"، داعيا إلى "تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية وذلك حرصا على مصلحته العليا وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعية الدولية والإجماع العربي والقضية الفلسطينية المحقة بما في ذلك حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وعدم توطينهم".
وعبر البيان عن "الحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية عدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرا أو ممرا أو منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين، على أن يبقى الحق في التضامن الإعلامي والسياسي مكفولا تحت سقف القانون". وختم البيان بالتأكيد على "التزام القرارات الدولية بما فيها القرار 1701. ومواصلة دراسة السبل الكفيلة بوضع الآليات لتنفيذ القرارات السابقة التي جرى التوافق عليها في طاولة الحوار". وحدد 25 يونيو (حزيران) موعدا للجلسة القادمة للحوار لاستكمال البحث في بنود جدول الأعمال. واعتبر هذا البيان بمثابة إعلان يلتزمه جميع الأطراف وتبلغ نسخة منه إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة.
أما مصادر رئيس كتلة "المستقبل" النيابية – رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، فأشارت إلى أن الأخير شدد في مداخلته على أن "الموضوع الوحيد الذي بقي على طاولة الحوار للحديث به، وهو ليس الاستراتيجية الدفاعية، بل سلاح المقاومة الذي قام بتفريخ أسلحة أخرى حوله وبدأ يظهر سلاح آخر بسببه".
وأشارت المصادر لـ"الشرق الأوسط" إلى أن الرئيس السنيورة رد على تصريح لرئيس كتلة حزب الله النائب محمد رعد، الذي اعتبر فيه أن "مجرد طرح موضوع سلاح المقاومة فهذا يعني أنه خضوع لأجندة خارجية، وأن من يطلب بمعالجة سلاح المقاومة عليه أن يبني الدولة التي تحوز شرف تسلم سلاح المقاومة"، فاعتبر أن "هذا الكلام ينطوي على تشكيك وتخوين". وقال السنيورة "لا أدري كيف يمكن أن نتحاور وينجح الحوار وهناك من يقول هذا الكلام قبل أن ينطلق الحوار بساعات ويتهم الآخرين ويخونهم؟".
مؤكدا أن "سلاح حزب الله بات موجودا في جبل محسن (طرابلس) وذات الفريق يستخدم سلاحه بين جبل محسن وباب التبانة لإبقاء التوتر قائما ولتحريك الجراح وتحريك التوترات والاشتباكات وإشغال الأطراف وفرض المعادلات، هذا السلاح الذي استخدم في السابع من مايو (أيار) في بيروت ثم بعد اتفاق الدوحة عبر حركة الانقلاب من خلال يوم القمصان السود، هو نفسه الذي نفذ انقلابا أتى بالحكومة الراهنة التي أثبتت فشلها بكل الملفات التي تعاطت فيها والقضايا التي تصدت لها".
وسجلت مواقف للمشاركين بالحوار إثر انفضاض الجلسة، فرأى رئيس مجلس النواب نبيه بري أن "الحوار كان جديا". فيما اعتبر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن "المشهد التوافقي رسالة إيجابية للبنانيين في الخارج ودعوة لدول العالم لترجمة اهتمامها وحرصها لتمكيننا من مواجهة التحديات". وسأل ميقاتي "إذا لم نلتق ونتحاور بمسؤولية فكيف نحل مشاكلنا وما البديل عن الحوار والتفاهم"، وقال: "لبنان قام على تسويات وطنية منذ الاستقلال وبالتالي لا يمكن لأي فريق أن يفرض رأيه بالقوة". أما رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، فأشار إلى أن "الأجواء خلال الحوار كانت جيدة جدا وتم الاتفاق على كل شيء".

