قبل أيام قليلة، هدّدت جماهير كرة القدم بـ"تسكير" بيروت إذا لم تتم الاستجابة لمطلبها بحضور المباراة بين فريقي لبنان وقطر، على المدرجات. هدّدت، ونجحت في تحقيق ما أرادته، قبل أن يجتمع أكثر من 40 ألف مشاهد، من مذاهب وطوائف وتيارات سياسية مختلفة، في المدينة الرياضية، لتشجيع "المنتخب الوطني".
في شباط الماضي، بدأ طلاب مقاطعة الكيبيك في كندا "ثورتهم"، مع إعلان إحدى الجمعيات الطالبية الإضراب احتجاجاً على قرار زيادة رسوم الدراسات العليا، قبل أن تلتحق بها جمعيات أخرى، إلى أن فاق عدد المضربين مئتي ألف طالب.
ومنذ ذلك التاريخ، يتصاعد الحراك بشكل مستمر، من مونتريال إلى الضواحي الكندية كلها: إضراب عام في الجامعات، احتجاجات يومية، إقفال شوارع، تعطيل المرافق الحكومية.. ومسيرات لا تهدأ لشباب يعرفون أن "شعباً موحداً لن يهزم يوماً"، حسبما يهتف المتظاهرون يومياً.
ربما يبدو الحديث عن جماهير "توحدّت" لحضور مباراة في كرة القدم أمراً مبالغاً فيه، لكن أن يجتمع الآلاف من شباب لبنان خلف مطلب واضح يعتبرون أنه حق لهم، ثم ينجحون في انتزاعه من "السلطة"، فهدفٌ يُبنى عليه.
يجمع الشباب في لبنان، لا سيما الطلاب منهم، أكثر بكثير مما يفرق بينهم. هناك مصلحة للطلاب في تحسين مستوى التعليم الجامعي الرسمي، هناك مصلحة للطلاب في رفض الزيادات الدورية على أقساط الجامعات الخاصة، هناك مصلحة للطلاب في زيادة أجور ذويهم ومنع الغلاء الذي يفتك بالأسر، هناك مصلحة في رفض زيادة الضريبة على القيمة المضافة، في الضغط من أجل تطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة، في توفير فرص العمل وحماية العمال، في وجود سياسة سكانية تسمح لطالب اليوم بأن يحلم بامتلاك سقف يؤويه، هناك مصلحة في الضمان والصحة والحماية و…
هناك مصالح تجمع الطلاب الحاليين والسابقين والمستقبليين. مصالح فعلية، تعلو فوق اختلافات المذاهب والطوائف وزعماء الحرب وأحزاب المصالح الخاصة، كلها من دون استثناء، وتجمع بين كل شاب وشابة في مدن الفقر وقرى الإهمال.
استحضار ما يجري في مقاطعة الكيبيك الكندية يأتي باعتباره نموذجاً راهناً لا أكثر، قد سبق لطلاب لبنان أن اختبروه قبل الحرب الأهلية، كما اختبرته وتختبره شعوب كثيرة صنع طلابها "ثورات" احتضنتها فئات عديدة، التقت معهم على مستوى المصالح، من عمال ومحامين وقضاة وغيرهم.
هو نموذج يخبر عن خيارات أخرى متاحة اليوم، كتلك التي يصنعها الشباب والطلاب في بلدان نحلم بالهجرة إليها، بينما نندفع للمشاركة هنا في حروبنا الصغيرة.
لكن خيارات كهذه تحتاج إلى أكثر من مجرد أمل عابر أو نموذج يذكّر بالقدرة الكامنة في الشباب. تحتاج إلى لحظة تفكير تسبق انفعالات الغرائز التي تتفجر كل حين، لحظة تفكير تطوف فوق "القضايا الكبرى" التي تصمّ الآذان، وتعيق التقاطها لصوت المطالبة برغيف خبز، وحياة كريمة.

