تسعى الحكومة الإيرانية برئاسة حسن روحاني، بعد توقيع الاتفاق النووي مع القوى الدولية، الى الانفتاح اقتصادياً وديبلوماسياً على العالم. لكن لا بد أن يدرك الرئيس روحاني والإصلاحيون والمستقلون الذين حصلوا في الانتخابات الأخيرة على أقلية بسيطة في المجلس (البرلمان) وفي مجلس الخبراء، أن نجاح مساعيهم للانفتاح تتوقف على قدرتهم على إحداث تغيير ثقافي واجتماعي عام، يحرر إيران من الضوابط التي تفرضها سلطة المرشد علي خامئني، الذي يسيطر على السلطة «العميقة» للدولة المتمثلة بالقضاء والمؤسسات الأمنية والعسكرية والحرس الثوري. ويدير المرشد أيضاً سياسة إيران الخارجية، والتي تتميز باستمرار خطاب إدانة السياسة الخارجية الأميركية والتحذير من مخططاتها لتخريب إنجازات الثورة الإيرانية.
يستمر المرشد في الوقت نفسه، في انتقاد وإدانة ممارسات المملكة العربية السعودية وسياساتها، كما يدعم العمليات الخارجية التي يديرها الحرس الثوري الإيراني مباشرة أو بواسطة حزب الله والتنظيمات الشيعية الأخرى، من أجل زيادة النفوذ وفرض الهيمنة الإيرانية داخل عدد من الدول العربية.
لا تمارس حكومة الرئيس روحاني أي دور فعلي في صياغة سياسة إيران في العراق وسورية واليمن ولبنان والبحرين وغيرها، حيث تبقى حرية العمل في هذه الدول منوطة بما يقرره «فيلق القدس» بقيادة الجنرال قاسم سليماني.
من المؤكد أن نجاح المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني قد سلّط الضوء على الرئيس روحاني، ولمّع صورته السياسية خارجياً وداخلياً. لكن يجب أن لا تخفي هذه الحقيقة محدودية قوة الرئيس السياسية لمواجهة القوى المحافظة في الدولة العميقة. لن يكون من السهل توقع حدوث تبدل فعلي في موازين القوى السياسية داخل إيران من خلال العملية الانتخابية، وتحقيق الإصلاحيين والمستقلين أقلية بسيطة.
سبق ورأينا كيف تصرفت قوى الدولة العميقة من أجل احتواء الفكر الإصلاحي للرئيس محمد خاتمي بعد فوزه في انتخابات 1997 و2001، حيث عمد المحافظون من خلال مجلس صيانة الدستور الى تعطيل كل القوانين الإصلاحية التي شرعها المجلس (البرلمان)، والى تحريك القضاء الذي يسيطر عليه رجال الدين المتشددون لإسقاط عضوية الإصلاحيين البارزين في الحكومة وفي المجلس. ولا بد من الإشارة الى أن الرئيس محمد خاتمي ما زال محروماً من أية إطلالة إعلامية، وذلك عقاباً على دعمه صديقه المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي في انتخابات 2009.
يبدو بوضوح، أن المحافظين يصرون على منع الإصلاحيين من تحقيق نتائج حاسمة في أية انتخابات، وذلك من خلال القرارات التي يتخذها مجلس صيانة الدستور بقبول المرشحين للانتخابات أو رفضهم. أظهرت النتائج الأخيرة للانتخابات أن أكثرية سكان المدن، خصوصاً طهران، يرفضون سياسة المحافظين ويؤيدون بوضوح عملية الإصلاح الاقتصادي والانفتاح التي يعمل لها روحاني والإصلاحيون.
تظهر كل التحاليل أن الناخبين يؤيدون حدوث عملية إصلاحية واسعة، وأن طموحاتهم تدعم عملية إصلاح النظام واستعادة الحريات الإعلامية والاجتماعية وتقييد سلطة رجال الدين والحرس الثوري ونفوذهم.
التفويض الممنوح الى الرئيس روحاني من المرشد لم يتعدَّ التوصل الى الاتفاق النووي والعمل على إنهاء نظام العقوبات المفروضة على إيران دولياً وأميركياً، لكن من دون أن يغير ذلك من المواقف المعادية للولايات المتحدة. ويشمل هذا التفويض القيام بالخطوات اللازمة لجذب الاستثمارات الأوروبية والصينية الى الاقتصاد الإيراني.
ويبدو بوضوح أن هذا التفويض لا يشمل الإصلاحات السياسية أو عملية إطلاق الحريات الثقافية والاجتماعية. وأفضل مؤشر إلى ذلك يكمن في الأعداد المرتفعة لتنفيذ أحكام الإعدام واعتقال الصحافيين والتضييق على الحريات الإعلامية، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي.
من المرتقب أن تتردد الدول الأوروبية في توجيه استثماراتها نحو إيران، في ظل استمرار سيطرة الحرس الثوري على الاقتصاد وممارسة الضغوط على الحريات والانفتاح نحو الخارج. ترتبط العملية الاستثمارية الخارجية الى حد بعيد، بمطلب تغيير إيران سياساتها وسلوكيتها الراهنة تجاه دول الجوار، ووقف دعمها وتسليحها للميليشيات الشيعية التي تخوض حروباً بالنيابة عنها في العراق وسورية واليمن ولبنان. إذا لم تعدل إيران من سياساتها هذه، فإن الدول الغربية ستعود الى ممارسة سياسة العقوبات لإجبارها على التخلّي عن سلوكيتها الراهنة.
تؤشر الضجة الاحتجاجية الغربية التي أثيرت أخيراً حول استمرار إيران في إجراء تجارب لصواريخ باليستية متوسطة قادرة على حمل رؤوس نووية، الى إمكان العودة لفرض عقوبات جديدة على طهران. وهناك توجه غربي لمناقشة هذا الموضوع داخل مجلس الأمن الدولي، على أساس أنه يمثل خرقاً للقرار الدولي رقم 2221.
اقرأ أيضًا: ايران بين «عاصفة الحزم» و «التحالف الإسلامي» ضد الإرهاب
لا يمكن المجتمع الغربي الاستمرار في ممارسة سياسة الضعف و«الاستجداء» مع إيران في مواجهة حروب «اللاتماثل» التي يخوضها الحرس الثوري في أربع دول عربية. ولا بد هنا من أن يدرك الإصلاحيون والمستقلون أن مسؤولية كبيرة تقع عليهم للضغط من أجل وقف هذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية لدول الجوار وزعزعة أمنها واستقرارها.
تفترض التطورات الجارية في سورية والعراق واليمن، خصوصاً أزمة اللاجئين والهجمات الإرهابية باتجاه الدول الأوروبية، أن الرياح الدولية والإقليمية لم تعد مواتية لسياسة إيران الهادفة الى استغلال أزمات الأنظمة العربية وضعفها، وبالتالي الاستمرار في سياسة شنّ مزيد من الحروب بالوكالة. يقود أي تقييم استراتيجي وعسكري للوضعين الدولي والإقليمي، الى إدراك وجود نية وتصميم واضحين لاحتواء المد الإيراني، وأن هناك محوراً عربياً وإسلامياً تقوده المملكة العربية السعودية من أجل مواجهة «سياسة العبث» الإيرانية.
إن تقرير عملية السلام في سورية والعراق لن يبقى في أيدي حلفاء إيران المدعومين بقوات الحرس الثوري والميليشيات الإيرانية. فالعملية السلمية في سوريا باتت تتوقف على تشكيل سلطة انتقالية تحل مكان الرئيس الأسد. ويتوقف الأمن والاستقرار في العراق على وقف الانهيار السياسي والاقتصادي والفساد الكلي، الذي تضطلع به الأحزاب والقوى العراقية الموالية لطهران.
أما في اليمن، فإن كل المؤشرات باتت تقود الى أن حل الأزمة ووقف الحرب وفق بنود القرار الدولي رقم 2216 باتا قريبين، وأن التطورات لن تكون لمصلحة حلفاء إيران. ولا يبدو من خلال التحرك العربي والدولي الراهن، أن حزب الله سيكون قادراً على متابعة دوره الإقليمي لمصلحة الحرس الثوري، وذلك بعد تصنيفه كمنظمة إرهابية والعمل على تجفيف مصادر تمويله.
في النهاية، لا بد أن تدرك إيران حصول عدد من المتغيرات الأساسية في الموقف الدولي والعربي والخليجي، والتي يفترض أن تدفعها الى تغيير سياساتها، وأن العنصر المؤثر في المواجهة بات يرتكز على امتلاك الدول الخليجية عناصر القوى العسكرية المجهزة بالتكنولوجيا الحديثة، هذا إضافة الى التحالف العربي والإسلامي الذي تقوده المملكة العربية السعودية من أجل مواجهة الإرهاب والحروب الهدامة. ويفترض أن تدرك طهران أيضاً، أنه قد حان الوقت لكي تصحّح سلوكيتها والعمل على البحث عن أرضية مشتركة للدخول في حوار مثمر مع جيرانها العرب ومع الدول الغربية.

