يشكل الاستقرار الأمني في لبنان محور اهتمام داخلي وخارجي. هو على جدول أعمال كل زوار لبنان الغربيين. يسألون، يستفسرون ويحذرون، وفي الوقت نفسه، يحمّلون لبنان مسؤولية الحفاظ على أمنه واستقراره.
في لقاء جمع مؤخرا مسؤولين كنسيين لبنانيين مع ديبلوماسي غربي، تم استعراض الواقع اللبناني واحتمالات الخطر والخوف والتفجير. استمع الديبلوماسي إلى قلق أهل الاكليروس وتحليلهم واقع الأمور. اعتبر هؤلاء أن لا مصلحة لأي فريق لبناني بأن يفجر الأوضاع الأمنية. ففي حسابات الربح والخسارة، سيخرج الجميع خاسرا.
صال الحاضرون وجالوا عارضين للوقائع على الأرض ومدى تعارضها أو تناسبها مع منطق الأمور والتحليل، وكانوا مجمعين على أن هناك ما يشي برفع منسوب الخوف والحذر من اي حادث أو حدث، «فعند رؤية الإطارات المحروقة وقطع الطرقات المتنقل والمتفلت، لا يمكن الرهان على المنطق والتحليل. ففي الاسابيع الماضية شعرنا بأننا على ابواب حرب جديدة مع ان ذلك يتناقض مع كل منطق سياسي في حسابات الربح والخسارة للاطراف اللبنانية. لكن الانفجار لا يحتاج سوى الى بضعة «زعران»، وربما مندسين يُخرجون الامور عن السيطرة، في بلد لا تبدو الجوامع المشتركة بين ابنائه ومكوناته السياسية كثيرة».
وافق الديبلوماسي على جزء كبير من التحليل، لكنه اعتبر «ان اي تفجير لاستقرار البلد يحتاج الى قرار اكبر من مجموعة «زعران» وقطّاع طرق. فما دامت القيادات السياسية واعية خطورة المرحلة وتتعاطى معها على هذا الاساس، فقد تحصل خروقات امنية، وربما نزاعات على خلفية الاحتقان القائم، لكنها تبقى محصورة في زمانها ومكانها وتمكن معالجتها محليا».
يضيف الديبلوماسي «ان معظم الدول المعنية بالملف اللبناني حريصة على الهدوء اللبناني، وهي تواصل حثها الحكومة اللبنانية والمسؤولين اللبنانيين على ضبط الامن وعدم التهاون مع اي تفصيل يمكن ان يتطور الى فتنة او نزاع او مواجهة».
لكن الديبلوماسي نفسه تخوّف من «تعاطي بعضهم بخفة مع تطورات الاحداث في سوريا». وقال لمضيفيه «كل الاطراف اللبنانية تتعاطى مع الموضوع السوري كأنه شأن داخلي لبناني. وهذا بحد ذاته مصدر قلق. وان انقسام البلد واضح على هذا المستوى، ما يضعف الى حد كبير مناعته».
وختم الديبلوماسي متمنيا على الاكليروس «الاكثار من الصلاة ليتحلى المسؤولون اللبنانيون بالحكمة الكافية كي لا يستدرجوا الصراع في سوريا الى بلدهم، ولتمرير هذه الفترة الصعبة في الشرق الاوسط بأقل الاضرار الممكنة».
تتقاطع قراءة الديبلوماسي الغربي مع قراءة كثير من الاطراف اللبنانية. يقر فريقا النزاع الاساسيان في البلد ان الطرف الخصم لا يريد تفجير البلد.
بديهي ان يختلف التحليل في الخلفيات والاسباب، وان يبقى الحذر قائما وكذلك ربط النزاع الكلامي، الا ان اشارة الفريقين الى ايجابية في سلوك الآخر، يمكن البناء عليها.
يعتبر مصدر مسؤول في «تيار المستقبل» ان «حزب الله» يظهر «رغبة في ابقاء الوضع الامني ممسوكا. وهو برغم التصاقه ودفاعه عن النظام السوري حتى التماهي معه وغض النظر عن جرائمه، إلا انه حتى اليوم، يتصرف ببعد نظر في الشأن الداخلي. قد يكون مطمئنا الى إمساكه بكل مفاصل الدولة، وإلى قدرته على السيطرة العسكرية، والى الحل والربط في الحكومة، لكن ذلك لا يلغي حرصه حتى الآن على ابقاء الوضع الامني مستقرا. وهذا ما يُسجل له».
بدورها، تعتبر مصادر قريبة من «حزب الله» ان «تيار المستقبل» اظهر في الاسابيع الماضية وعيا لخطورة المرحلة في بعض المفاصل الحساسة. وعلى الرغم من مسؤوليته الكاملة في شحن الشارع ولعب دور المستضعف والمستهدف في سيناريوهات مضحكة مبكية، الا انه تعاطى مع التطورات الاخيرة سواء لجهة تفلت الاوضاع الامنية او في شأن المخطوفين اللبنانيين في سوريا بطريقة توحي انه مدرك عواقب الفتنة».
تسارع المصادر الى التوضيح أن هذا «لا يشمل كل نواب «المستقبل» ومسؤوليه. ومع اننا نستغرب ان تتعارض مواقف بعضهم مع مواقف مرجعيتهم السياسية الا اننا، من باب حسن النيات، نغض الطرف عما يعتبره البعض «توزيع ادوار»، لنحاول ان نبني على الايجابي من الأمور. ونحن نعتبر ان اللبنانيين يجب ان يكونوا حريصين على تحييد أنفسهم عن الدخول في صراعات الدول التي تبحث مربكة اليوم عن مصالحها».
عندما اتصل الرئيس سعد الحريري بالرئيس نبيه بري وطلب منه أن ينقل الخاطفين بطائرته، سارع الى الرد ايجابا قبل أن يتشاور مع «حزب الله». لاحقا تبلغ من الحزب دعمه وتأييده، ولم تمض دقائق حتى كان تلفزيون «المستقبل» ينقل للمرة الأولى خطاب السيد حسن نصر الله بذكرى التحرير من بنت جبيل. أكمل «المستقبل» بأن جعل علي عمار ضيفا على الهواء راح يوزع شكره في كل اتجاه. عاد مندوبو «المستقبل» يصولون ويجولون في الضاحية، قبل أن يكتشف الجميع أن ثمة عقدة بقيت عصية على التفسير حتى الآن.
هذا المناخ، برأي نبيه بري، ولو أنه لم يأت بعد بالخبر السعيد، الا أنه شكل مظلة حماية سياسية، بمعنى أنه قطع الطريق أمام أية محاولة للاصطياد في الماء العكر، وأدرك الجميع أن الحريري كان راغبا فعلا بإطلاق سراح المخطوفين وربما بفتح صفحة جديدة.
في كلام الفريقين ما يبعث على الاطمئنان النسبي على الاستقرار. فعلى الرغم من حرصهما عليه، الا انهما يبقيان ما يشبه ربط النزاع قائما. وهو ما يفتح باب القلق واسعا. ويبرر للمشككين والخائفين ان يتابعوا باستمرار بورصة الحرائق المتنقلة. ويجعل سؤال الديبلوماسي الغربي لاصدقائه الكنسيين لدى مغادرتهم في محله. فهو سألهم «الى اي حد تثقون بحكمة السياسيين اللبنانيين»، قبل ان يضيف «تحتاجون فعلا الى الكثير الكثير من الصلاة».

