حصاد ربيع مرّ

الطوارق الليبيون تلفظهم «ثورة الربيع العربي» خارج ليبيا ليبحثوا عن ملاذ آمن لهم في دولة مستقلة ينشدونها في شمال مالي, ومثلهم قبائل التبو التي تعود أصولها إلى اليمن والتي تجردها هذه الثورة من أصولها العربية ومن تاريخ طويل من العيش المشترك مع عرب ليبيا ليعلن قادتها أنهم قد يبحثون عن الخلاص بالسعي إلى دولة مستقلة لهم, أسوة بجمهورية جنوب السودان التي انسلخت عن وطنها الأم بعملية قيصرية أميركية مررت هذه السابقة الإستراتيجية في الوطن العربي الكبير تحت ساتر كثيف من «الربيع العربي» قبل أن تسلم المولود الجديد إلى حاضنته الإسرائيلية لتكون جوبا الدولة الوحيدة في العالم التي تعلن أنها سوف تفتح سفارتها في القدس المحتلة, وليس في تل أبيب, بينما تعلن القيادة البرزانية لكرد العراق أن «الظروف ملائمة.. أمام تأسيس دولة كردستان» لكن ما يمنع إعلانها هو عدم توفير ضمانات «الحماية.. والاستمرار» لها بعد إعلانها (مسرور مسعود البرزاني مطلع آذار الماضي).
لكن ليبيا بعد «الثورة» قد تحولت إلى نموذج مصغر لـ «النزاعات العرقية والقبلية» التي فجرها «الربيع العربي» بين «العرب» والأقليات العرقية والقومية والدينية التي كانت تعيش بين ظهرانيهم وتتعايش معهم عبر مئات السنين, والمجهر الإعلامي الذي يغطي «الربيع» العربي مهللا له, بألسنة عربية وغير عربية, يصور «الربيع العربي» كفرصة تاريخية سانحة لهذه الأقليات كي «تتحرر» من «استبداد» الأكثرية العربية المسلمة.
ففي ليبيا اليوم تندلع الاشتباكات الدموية بــ «الأسلحة الثقيلة» بين «الأقلية الأمازيغية وجيرانهم العرب» في الجبل الغربي, وفي الكفرة وسبها في الجنوب يعلن قادة قبائل التبو «جبهة التبو لانقاذ ليبيا» ملوحين بالانفصال بعد معارك دامية مع «العرب» الذين «هجروهم ودمروا بيوتهم فوق رؤوسهم», ولا تزال مدينة تاورغاء مهجورة بعد أن هرب أكثر من ثلاثين ألفا من أهلها الطوارق من انتقام الثوار «العرب» من مصراتة المجاورة لأن قوات الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي كانت تقصف مدينتهم منها, الخ.
وتشهد الاتهامات للعرب بـ¯«التطهير العرقي» و«العنصرية» ازدهارا غير مسبوق في موسم «ثورة الربيع العربي» في ليبيا, لتضاف إلى اتهامهم بـ «الإبادة الجماعية» والجرائم ضد الإنسانية» في دارفور السودانية و«حلبجة» العراقية.
في السابع والعشرين من كانون الثاني عام 2004 نشرت اللجنة الإسلامية لحقوق الانسان, وهي منظمة غير حكومية تتمتع بوضع استشاري خاص في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة, تقريرا جاء فيه أن دراسة للجماعات العرقية في العالم العربي (عام 1990) أظهرت بأن حوالى ثلاثين مليونا من هذه الجماعات تتركز بصفة رئيسية في أربع مناطق هي أولا الأكراد في شمال العراق وشمال شرق سوريا, وثانيا الإسرائيليون في فلسطين المحتلة, وثالثا البربر في المغرب العربي بشمال إفريقيا, ورابعا الأفارقة في جنوب السودان وغربه.
ويلاحظ الآن أن لـ «الإسرائيليين» دولتهم المستقلة, وحصل الأفارقة السودانيون على دولتهم المستقلة في الجنوب مؤخرا, ولأكراد العراق دولة أمر واقع تنتظر الفرصة السانحة لإضفاء الصفة الرسمية عليها, فأين ستقوم دولة من وصفتهم «اللجنة الإسلامية» بـ «البربر» في شمال إفريقيا, وهل سيكتفي الطوارق بدولة لهم في شمال مالي تطالب لاحقا باجزاء من جنوب ليبيا أم سيتحالفون مع الأمازيغ والتبو ليستقووا بالغرب من أجل إقامة دولة «فدرالية» في ليبيا يضمنون فيها وضعهم كأقلية «غير عربية» ضمن «حكم ذاتي» من نمط كردستان العراق يتحول إلى «بيضة القبان» بين قبائل عربية متنازعة ليستحوذوا على رئاسة دولة فدرالية موحدة لا سلطة مركزية لها أسوة بتجربة أكراد العراق في ظل الاحتلال الأميركي, كي «تدعم» هذه الدولة لاحقا المطالبة بوضع مماثل لطوارق الجزائر والمغرب و«أفارقة» موريتانيا?!
وتقرير هذه المنظمة «الإسلامية» الذي يصنف «الإسرائيليين» الذي استوطنوا فلسطين بالغزو والاحتلال والقوة القاهرة باعتبارهم من «الأقليات» العرقية في العالم العربي ليس إلا مجرد عينة من غزو ثقافي يستهدف تجريد الوطن العربي من هوية أكثريته العربية الإسلامية, لكنه بهذا التصنيف لـ «الإسرائيليين» لا يترك مجالا للشك في الهدف السياسي البعيد من تسليط الأضواء على الأقليات ومن خلق ظروف موضوعية تدفعها بوعي أو دون وعي هي و«العرب» إلى الأخذ بخناق بعضهم البعض حد الفصل بينهم, باسم «الربيع العربي», بأنهار من الدماء والثارات على أمل أن يجعل سفك الدماء من المستحيل على الطرفين العودة إلى الوضع الراهن السابق من العيش المشترك والمصاهرة والنسب, أسوة بتجربة جنوب السودان الذي يتحول تدريجيا اليوم إلى قاعدة إسرائيلية تحاصر القلب المصري للعرب وتهدد شريان حياته في أعالي نهر النيل.
إنها لمفارقة حقا أن يحدث كل ذلك في موسم سياسي يوصف بـ «الربيع العربي», وإنها لمفارقة مأساوية أن يحدث ذلك ولهذا «الربيع» قيادات «إسلامية», فدين التوحيد الذي وحَّد «قبائل» العرب في بوتقة الاسلام واعترف بـ «أهل الكتاب» الموحدين وأنبيائهم جزءا من عقيدته التي أسست لأول مرة في العالم لمجتمع متعدد الأديان والأقوام والأعراق والألوان لا فرق بينهم إلا بالتقوى ولا هداية لهم ولغيرهم إلا بالتي هي أحسن, والذي اختار الباري سبحانه نبيا عربيا وقرآنا عربيا وكعبة عربية وحاضنة عربية للدين الحنيف ينتشر منها إلى أرجاء المعمورة كافة.. إن دين التوحيد هذا يجد اليوم – تحت مظلة «ربيع عربي» يحميه حلف الناتو وتروّج له الولايات المتحدة الأميركية ويشن حربا شعواء ضد القومية العربية وتاريخها وفكرها ودعاتها ورموزها وطموحاتها – من يعملون باسمه للفرقة لا للوحدة, وللفصل بين العروبة وبين الإسلام,وبين العرب وبين المسلمين, ليتفرقوا قبائل شتى, عربية وغير عربية, بعد أن توحدوا في أمة واحدة, منها قبائل تجاهر بإسلام مجرد من عروبته ربما لن يمضي وقت طويل قبل أن يخرج منها «مارتن لوثر» مسلم يدعو إلى الفصل بين القرآن الكريم وبين اللغة العربية التي أنزل بها, وهذه جميعها أهداف أميركية صهيونية, لتتحقق خشية سيد قطب من «إسلام أميركاني», كما كتب في مطلع خمسينيات القرن العشرين الماضي.
من المفترض أن تثير «أسلمة» المشهد العربي تفاؤلا بتدارك الوقوع في الفخ الأميركي, لكنها لا تفعل, بل إنها تنذر بأن تكون أسلمة تهيئ شروطا موضوعية لصراعات طائفية لها تداعياتها على السلم الأهلي والأمن الوطني والقومي في الدول العربية ذاتها.
  

السابق
لماذا توسيع الحكومة الإسرائيلية؟
التالي
جيران سورية يبدّلون قواعد اللعبة الدولية؟