لأن السياسيين لا يركبون السرفيس

كما لو أن السائق والراكب كانا على معرفة مسبقة. ما إن جلس الثاني في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، حتى انساب الحديث سهلاً بين الرجلين الستينيين اللذين لا يُعرف لهما طائفة أو منطقة أو انتماء سياسي. هو ليس حديثاً بالمعنى المتعارف عليه، بل أقرب إلى مبارزة في من لديه القدرة على ابتكار توصيفات وشتائم جديدة في حق السياسيين، كل السياسيين، بلا أي استثناء. هكذا، راحا يكيلان لهم الشتيمة تلو الأخرى، بهامش من الابداع لا يملك المرء ازاءه إلا الضحك من قلبه لهذا النوع من الانتقام ليس للبناني غيره ليلجأ إليه كي يخفف من غضبه الداخلي الدائم.
هي شتائم أقوى مما يتبادله النواب في جلساتهم، وأذكى وأشد بذاءة بمراحل مما يستطيعه أو يجرؤ عليه السياسيون. لا قفّازات بيضاء في سيارة الاجرة، ولا ربطات عنق. مواطنان مجهولان، وعتيقان في البلد، يسميان السياسيين باسمائهم، من الصفوف كافّة. يتهمانهم كلهم بالفساد والانتفاع من السلطة وباللصوصية والكذب والدجل والغباء… وما إلى هنالك مما لن يسمعه السياسيون لأنهم، لحسن حظهم، لا يستخدمون "السرفيس" في تنقلاتهم الميمونة.
لوهلة، يبدو كلامهما تكراراً لما يُعلك طوال الوقت. لكنهما، وهذا هو الاساس، صادقان. تعبير "لقمة العيش" له معناه هنا، كما "الطبابة" و"الضمان الاجتماعي" و"العيش بكرامة" لمن صار في سن التقاعد ويعجز عن الاستمتاع بتقاعده لأن عليه أن يقيت، إلى آخر عمره، نفسه ونفوساً أخرى. هنا الشكوى من طمع السياسيين بالكراسي أصيلة، وهنا التململ من خواء الحروب السياسية الدائرة حقيقي، وهنا اليأس من كل الطبقة السياسية عميق ومتجذر وثابت وساطع سطوع شمس لاذعة في منتصف سماء نهار صيفي.

هنا، وبينما المدينة تمضي إلى الوراء في مشاهد متسارعة من نافذة السيارة، يخفف كلٌّ من الرجلين عن الآخر بالتهكم المرّ على الغائبين عن المكان الضيق وعن الرؤية وعن السمع. يقرّعان هؤلاء المتوارين خلف الزجاج الداكن لحيواتهم عن نظر الهموم الكبيرة التي يرونها تافهة وصغيرة أمام قضاياهم العظمى. وهي قضايا إن عنت للناس قبلاً فإنها لم تعد تعنيهم، ما داموا يسعون في كل لحظة إلى رزق ينزلق من بين ايديهم، كما ينزلق السمك بعيداً في مياه البحر.
كأنهما صديقان عتيقان يجمعهما انتظار واحد لدولة ما، مفتقدة، يشعران بغيابها طوال عقود، ولا يعرفان لها شكلاً ولا ملامح، بما أنهما لم يختبراها. يواسيان بعضهما بعضاً بالشكوى ولا يعرفان مخرجاً مما يشكوان منه. يجهلان ماذا يفعلان اتجاه فساد السياسيين وقلة حيلتهم كما انعدام الثقة بهم، وغياب البديل عنهم. هما لم يجرّبا غير هذا النموذج من طرق إدارة البلاد. نموذج يقصي من هو مثلهما عن كل شيء، ولا يترك له إلا الركض، بالمعنى المسيء لفعل الركض، خلف لقمة العيش. وهما يكتفيان بالشتائم إذ يعجزان عن اجتراح بديل، اي بديل. يستسلمان تماماً إلى رسوخ الطبقة المتحكمة بالاعناق، رسوخ أسماء الايام السبعة التي من المحال تغييرها أو حتى التلاعب بترتيبها.
ولأن لا دراية بآليات التغيير، وجدواها، فلا أحد يستثنى من السباب: الإضراب. الاتحاد العمالي العام. الاعلام. القضاء. الشتيمة الاقصى والاقسى تذهب بالطبع إلى "الشعب اللبناني". هو النعت المسيء الذي لا بد سمعه كل منّا، أو قاله، مرة على الاقل في حياته بحق شعب يسوق نفسه بنفسه إلى تجديد زعامة زعمائه، وتمديدها، لخوفه من البديل، ومن الآخر المجهول المرعب. وتخدير الخوف الذي يناله اللبناني لقاء هذا التجديد يبقى بدلاً رخيصاً واقل بما لا يقاس مما يدفعه الشعب البسيط من قلق دائم وشامل على يومه وعلى غده.

يُظلم "الشعب اللبناني" إذ يوضع في الشتيمة ذاتها مع ساسته. لكن هذه الشتيمة تبدو قدراً لا مفرّ منه. وقد تكون ايجابية في حقه إذ توحّده، في أقل إيمان. على أن الشتائم لا تغيّر حالاً. تبقى كذلك، معلّقة في الفضاء الصغير لسيارة أجرة، وفي الفضاء الكبير للبلد الكئيب، لا يسمعها السياسيون ما داموا لن يستقلّوا يوماً سيارات الاجرة، وما دام سائق السيارة والراكب المجهولان لن يُدعيا قط إلى مجلس النواب أو مجلس الوزراء، ليدليا برأيهما الصريح بالسياسيين، والذي اذا ما اتتهما الشجاعة الكافية لقوله كما هو، لن يكون إلا مجموعة متصلة من الشتائم المغنّاة، ستتطاير عشوائياً وفي كل اتجاه، حتى لا ينجو منها سياسي واحد.
لكن السياسيين يعرفون أنهم يُشتمون طوال الوقت. لذلك هم لا يستخدمون سيارات الاجرة. كي لا يسمعوا ما يؤكد لهم صورتهم عند شعبهم. وهي الصورة نفسها التي يعرفونها، في دواخلهم، عن أنفسهم.

السابق
السفير: الوعد الصادق يعيد الضاحية أجمل مما كانت
التالي
تداعيات اعتصام المياومين: شيكات مرتجعة لمؤسسة الكهرباء