إيران تتعلم الأدب

العرب وايران
إيران لا تعرف ولا تفهم إلا لغة واحدة هي لغة القوة، فعلى مدى 35 سنة هو عمر صبر الدول العربية على إيران وعلى نزقها وعنجهيتها وإرهابها، 35 عاًما، 35 عاًما والخليجيون يجهدون في تجنب التصعيد معها، ومحاولة ائتلاف قلوبها دون فائدة، فقرأوا الصبر والحكمة قراءة خاطئة، لهذا مدوا رجلهم واستهانوا بنا. البحرين هي الدولة الأولى التي حاول الخميني مد رجله لها، وقبض على أول خلية إرهابية ممولة ومدربة إيرانًيا عام 1981 والكشف عن محاولة لاغتيال أمير البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان، والكشف عن مخبأ أسلحة في إحدى المزارع لهذا الغرض، أي أنهم شرعوا في الإرهاب حال وصولهم الحكم عام 1979. وللمفارقة كانت الخلية تتكون من مجموعة من العسكريين (أعرف أحدهم شخصًيا) بل إن قائدهم هو محمد هادي المدرسي الذي كان يشغل منصب المرشد الديني للشيعة في الجيش البحريني، وهو ذاته الذي قاد إرهاب عام 2011 مؤخًرا وظهر على شاشات المحطات العراقية الشيعية يحرض ويصرخ وكان نمر النمر الثاني الذي ركز على البحرين.

إيران لا تعرف معنى هذا التسامح ولا تعرف معنى العفو العام الذي صدر بحق هذه الخلية وإطلاق سراحها، إيران ترى ذلك ضعًفا وتمد رجليها أكثر وأعادت الكرة في التسعينات ثم في أحداث البحرين الأخيرة، ولم تحاول البحرين ولا أي من الدول التي اكتوت بالنار الإيرانية أن تذيق إيران مرارة التدخل في الشأن الداخلي، إلى ما قبل عدة أشهر بالكاد بدأ الإعلام السعودي يسمي الأحواز بـ«المحتلة» للمرة الأولى بعد سبعين عاًما من احتلالها.

وللمرة الأولى تتحرك المملكة العربية السعودية إعلامًيا ودبلوماسيا لحشد موقف عربي وموقف إسلامي ضد إيران بعد أن احتلت إيران بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء واعتدت على البحرين والكويت والسعودية، بعد هذا كله تحركت السعودية لرد عدوانها داخل الأراضي العربية، إنما لم تلامس أي ورقة من أوراق الشأن الداخلي الإيراني بعد.

وخلال عشرين يوًما فقط، عشرين يوًما فقط من القرار ومن الضغط الدبلوماسي الخفيف الذي يذكر إيران بمن هي السعودية وأين يبلغ أثرها وامتدادها، وبعد رحلات مكوكية للدبلوماسية السعودية تكللت بالإعلان عن تشكيل التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب بقيادة المملكة العربية السعودية، وببيان الجامعة العربية وبقطع أكثر من دولة علاقتها مع إيران وبالبيان الباكستاني السعودي والماليزي السعودي والتركي السعودي وآخرها بيان منظمة التعاون الإسلامي، أدركت إيران أن التحرك السعودي يتجاوز (الخطاب)، حينها فقط أقر خامنئي أن الاعتداء على السفارة السعودية ألحق ضرًرا بإيران وبالإسلام!!

وتغير الخطاب الإيراني 180 درجة، فشتان بين الخطاب الرسمي التصعيدي لرسالة ظريف وزير الخارجية الإيراني في الحادي عشر من يناير (كانون الثاني) الموجه ضد المملكة العربية السعودية الذي قال فيه بكل صلافة «على السعودية أن تختار بين دعم الإرهابيين المتطرفين والترويج للطائفية البغيضة أو حسن الجوار ولعب دور بناء في استقرار المنطقة». خطاب يملؤه الكبر وتضخم الأنا للطاووس الإيراني، وبين كلمة ظريف في دافوس يوم 21 يناير التي يقر فيها بأن من مصلحة إيران عدم التصعيد مع السعودية، حيث أكد أن طهران اختارت عدم التصعيد مع الرياض على الرغم من قطع المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية، بل زاد على ذلك في اليوم التالي من طهران فقال: «إن الاعتداء على السفارة السعودية استهدف أمننا واستقرارنا» وذلك بعد أن دان المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي ولأول مرة، الهجوم الذي استهدف السفارة السعودية في طهران في الثاني من يناير. وقال: «مثلما حدث في الهجوم على السفارة البريطانية قبله، كان هذا (الهجوم) ضد البلاد وضد الإسلام».

سبحان مغير الأحوال، أين كانت هذه الحكمة غائبة خلال العشرين يوًما السابقة التي تلت الاعتداء على السفارة؟

حتى اللحظة لم تفكر المملكة العربية السعودية في استغلال السنة الإيرانيين وعددهم لا يقل عن 20 في المائة من السكان، كما لم تفكر في استغلال الورقة العربية في إيران ونسبتهم تبلغ 8 في المائة، ولم تفكر في استغلال الورقة العرقية في إيران وهي فسيفساء واسعة متعددة ومتنوعة، ولإيران ألف قصة وقصة مع أقلياتها ومع جيرانها بإمكان السعودية تحريك الكثير من هذه الأوراق، ولكن حتى اللحظة لم تذق إيران طعم التدخل في شؤونها.

ماذا سيفعل بها مقعد لدولة الأحواز العربية في الجامعة العربية، وماذا سيفعل بها الاعتراف بالأحواز وبممثليها في الدول الخليجية وتشكيل حكومة منفى، وماذا سيفعل معها تقارب أذربيجاني خليجي يحرك الورقة الأذرية والتركية في إيران ونسبتهم تفوق 20 في المائة؟

إيران لا تتأدب ولا تنضبط إلا بوجود شوكة في خاصرتها مستمرة تذكرها إن نسيت أن رسولها ورسولنا عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام هو من قال إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده.

السابق
«المستقبل» ماضية في دعم الوزير سليمان فرنجية
التالي
لافروف وسنة البحث عن سازونوف