لم يقدّم الهدّامون بالأمس، تحت قبّة البرلمان، أقل ممّا كان يُتوقع منهم. ولم يفاجئ خطابهم الإفلاسي أحداً، خصوصاً من الذين لم يخطئوا مرّة واحدة في توصيف حالتهم المرَضية، ولا في الانتباه إلى أنّ أصحابها هؤلاء إنّما تسلّلوا في ليل إلى خارج المصحّ وأعملوا في المدينة صراخهم، في كل اتجاه سمعي شفّاف ومرهف.
أداء تدميري لا تنقص عدّته أي أداة. يدقّ اصحابه بدأب محموم على مسلّمة أساسية هي عنوان أجندتهم وفحواها: كل فتنة بنّاءة، وكل خراب واعد، وكل كارثة ولاّدة آمال، وكل مصيبة منعشة. وجامع حصيلة كل ذلك العدم هو السعي إلى قلب عاليها سافلها، علّ حينها القابع في أناه، يرتقي السلم ليصل إلى مرتبة هي عنده سدرة المنتهى، لكن بينه وبينها المسافة المستحيلة الفاصلة بين الأرض والسماء السابعة.. بل والتاسعة إذا اعتدل ميزان الحساب وبقيت في عقول الناس بقايا أحكام راجحة لم تزلزلها الغرائز الفالتة بعد!
.. والأمر مخيف في دنيانا هذه الأيام. أهل الحلّ والربط، أصحاب السلاح والكفاح المذهبي العظيم! الساعون على صهوة مقاومتهم إلى ترسيخ كل أسباب ضربها وهتكها تحت حجّة حمايتها، يقطعون أو يكادون، الخط الفاصل بين التكتكة السياسية والفتنة المذهبية. وعن دراية أو جهل يأخذون بالعابر ويتركون المقيم. ينتشون بخطاب العبث ويذمّون دعوة الحق. يطربون بضرّاب الطبل التفتيتي الفتنوي ويتبرّمون من سمفونية التلاقي وحفظ الدم والأرحام والعروة الرابطة أهل هذه الدنيا حتى قيام الساعة.
خطابهم المكابر، يدلّ على أزمتهم أكثر مما يدلّ على ارتياحهم، وعلى ضعفهم أكثر من قوّتهم. وعلى ارتباكهم أكثر من حصافتهم واطمئنانهم.. وليس أدلّ على ذلك من ركونهم في مشهد يبدون فيه وكأنهم قرروا الاستعانة بطرف آخر، كي يقول عنهم ما لا يريدون قوله كلّه وجهاراً نهاراً!
والطرف الآخر ذاك، لم يكن ينتظر إلاّ مثل هذه الفرصة الأخّاذة. شحمتهم على فطيرته، وزيته على موقدهم، وعاء مكشوف وغطاء شفاف! والنتيجة الحتمية لذلك التلاقي: دكّ متواصل في ما تبقّى من ركائز الاستقرار الوطني والأهلي، وإمعان في النفخ على الرماد كي يبان الجمر تحته مُشعّاً وهّاجاً!
لم يسبق أن كان لبنان في أزمة مشابهة وعميقة إلى هذا الحد، ومتشظّية إلى هذه الابعاد.. حتى في الأيام الأولى للحرب وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي وما بعده، لم تصل المواصيل إلى هذا الدرك التوتيري والتفتيتي والفتنوي. ولم تُسمع أصوات "مرتاحة" إلى الحدّ الذي نراه راهناً، في الحديث التحريضي المكشوف والبائس والمفلس.. حتى في أيام القتل والخطف والنسف والنهب والسلب تلك، كانت المستويات أرفع مقاماً من الجنون الفالت هذه الأيام.
.. ثم يقولون، هم وليس غيرهم، إنّ هذه الحكومة حَمَتْ الاستقرار ومنعت الفتنة!

