«كل ما يحكى عن اقتراب أجل الحكومة ليس واقعياً»، عبارة لا يتوقف متابع سياسي مقرب من «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» عن تردادها، مؤكداً أن «المعادلة ما تزال على حالها: الحكومة باقية لأنها الحامي الوحيد للاستقرار ولا بديل عنها، على الأرجح، قبل العام 2013».
حرص وزراء ونواب «تكتل التغيير والاصلاح» كما الرئيس نجيب ميقاتي، في اليومين الماضيين على تبديد أجواء سياسية ذهبت الى حد القول أن عمر الحكومة بات قصيرا، وتبنى الطرفان منطق الحوار الهادئ والموضوعي، حول الملف الكهربائي وباقي الملفات، وهو ما أكده أمس الوزير جبران باسيل، عبر دعوته ميقاتي إلى اللجوء إلى الحل المؤسساتي وجعل مجلس الوزراء مجتمعاً يحسم الخلاف. وهذه الخطوة هي نفسها التي يسعى إليها ميقاتي، مؤكداً أنه على مجلس الوزراء أن يتحمل المسؤولية في اختيار ما يراه مناسباً، مع أنه شخصياً يدعم إنشاء المعامل لا استئجار البواخر.
هذا لا يعني أن تهديد باسيل «برد دمو» على «انقلاب ميقاتي على اتفاق البواخر» ليس تهديداً واقعياً. الاستقالة هي دائماً خيار مطروح على الطاولة بالنسبة لـ«تكتل التغيير»، على ما يؤكد قيادي في «التيار البرتقالي». أما كيف يتطور هذا التهديد، فذلك أمر مختلف تماماً ويرتبط بكل الأطراف، وبتقييم المسارات السياسية عند كل منها.
يؤكد القيادي في «التيار الوطني الحر» أن طريقة التعامل مع الموقف الراهن لن تتحدد قبل جلسة مجلس الوزراء اليوم، مستبعداً أن يصل الرد إلى حدود الاستقالة «في ظل وجود خيارات عدة» لا تقل شأناً لإيصال الرسالة السياسية المطلوبة، إذا اقتضى الأمر، «كالاعتكاف والانكفاء أو حتى الاستقالة من دون إرسالها إلى رئاسة الحكومة».
«كل من يظن أن «حزب الله» لم يعد متمسكاً ببقاء الحكومة لا يقرأ الوقائع كما يجب»، بحسب أحد أعضاء «كتلة الوفاء للمقاومة». لماذا؟ يجيب «لأن إعادة تركيب أكثرية جديدة غير وارد في حسابات أحد ولا سيما وليد جنبلاط».
ويقدم النائب نفسه تحليلاً للأسباب التي تمنع الأكثرية الحالية من القيام بأي خطوة من شأنها تفكيك الحكومة بغض النظر عن الكباش المفتوح بين مكوناتها حول الملف الكهربائي. أولها، أن الاستقالة ستعني حكماً استشارات جديدة، ستؤدي على الأرجح إلى تشكيل أكثرية جديدة، تكلف بموجبها شخصية من «14 آذار». هذا الاحتمال يقود حكماً إلى «إعادة استنساخ تجربة التفرد والإقصاء التي انتهجتها هذه القوى في الفترة ما بين 2006 و2008، والتي أخذت البلد إلى الخراب». ويوضح أن «إعادة تلك التجربة حالياً سيعني زج لبنان في قلب الأزمة السورية، مع ما قد يستتبعه من إقامة معسكرات للمعارضة السورية أو مناطق عازلة على الحدود. في المقابل، أكدت الحكومة الحالية أنها ليست حكومة الفريق الواحد لا بل أنها ما تزال تعمل بكل أدوات المرحلة السابقة، أضف إلى أن الكل يعرف أن المعارضة الحالية هي التي تمسك بقرار مجلس النواب إلى حد بعيد».
يسرد النائب نفسه ما سبق ليصل إلى خلاصة واحدة مفادها أن الحكومة الحالية ما تزال حاجة ماسة بالنسبة للأكثرية ومهما اشتدت الأزمات داخلها فإن أيا من مكوناتها لن يكون مستعداً لتخطي الخط الأحمر وتعريض الاستقرار الهش أصلاً إلى الاهتزاز، بما قد يؤدي إلى نتائج يصعب توقعها.
لا ينفك «حزب الله» يعض على الجرح، فهو على الرغم من أنه لا يستسيغ تعامل نجيب ميقاتي مع ملفات كثيرة تتعلق به مباشرة كالمحكمة الدولية أو تتعلق بالمشاريع التي يطرحها حليفه العوني والتي «يحتاج كل منها إلى كباش منهك مع ميقاتي من جهة ومع رئيس الجمهورية ميشال سليمان من جهة أخرى»، فإنه مصر على رؤية النصف الملآن من الكوب، و«المتمثل بمصلحة المقاومة في الاستقرار الذي تؤمنه هذه الحكومة، وهي (المقاومة) تعمل ليلاً نهاراً لتعزيز قدراتها، غير آبهة بصراعات الداخل على الصغائر والكبائر».
وبعدما بدأ مساعد وزير الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان رسمياً موسم الانتخابات النيابية المقبلة آملاً أن «يثبت اللبنانيون أنهم سيكونون قادرين على تجاوز الخوف لإزالة بقايا الاحتلال السوري ورفض المدافعين عن مجازر الأسد»، يقول أحد قياديي فريق الأكثرية «لا أفهم ماذا يفعل نجيب ميقاتي» ويسأله: «هل قررت اعتزال السياسة»؟
ويوضح المصدر أن بقاء ميقاتي على رأس الحكومة يتطلب منه العمل سريعاً لحماية عون، حليفه الانتخابي المفترض، والتوقف عن محاباة رئيس الجمهورية مقابل إضعاف عون، والانتقال إلى التوفيق بينهما إذا أراد أن يثبت نفسه زعيماً سياسياً في الانتخابات النيابية المقبلة. ولهذا، يؤكد المصدر أن على ميقاتي أن يعرف أن أمامه فرصة لا تعوض للإنجاز وتحضير الأرضية المناسبة لخوض الانتخابات، إن كان من خلال القانون الانتخابي أولا، والتعيينات المعلقة ثانيا، والمشاريع التي يمكن للحكومة أن تنجزها على أبواب الانتخابات ثالثا، مشيرا الى أنه اذا كان ميقاتي لا يريد التعرض للمراكز السنية الحالية، «على الأقل عليه أن يدخل إلى الإدارة من خلال المراكز الشاغرة في طائفته وتصل الى أكثر من أربعين في المئة»..
حكماً لا يوافق ميقاتي وجهة النظر هذه، وهو سبق وألمح إلى المسؤول عن التعطيل في رده على الرئيس نبيه بري، عندما قال له «بتعرف البئر وغطاه»، في إشارة إلى «التيار الوطني الحر» الذي يتهمه رئيس الحكومة بتعطيل التعيينات، بما فيها التعيينات السنية التي لا يمكن السير بها بشكل مستقل عن التعيينات الباقية، أما بشأن القول بأنه قادر على التوفيق بين عون وسليمان، فان نائبا وسطيا يجيب بأن البطريرك الماروني نفسه لم يفلح في ذلك بتشجيع من ميقاتي، مذكراً أن جدول أعمال مجلس الوزراء لا يمكن أن يضعه ميقاتي بشكل منفرد لأن الدستور ينص على أن يطلع عليه رئيس الجمهورية الذي يمكنه أن يرفض مناقشة بند ما، لا سيما أنه هو من يترأس الجلسات ولا يمكن تخطي وجهة نظره في الامور المطروحة، كما أن أي مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء يجب أن يحظى بتوقيع رئيس الجمهورية.

